عيسى الشعيبي

مذبحة سيناء.. عاجزون عن الفهم

تم نشره في الثلاثاء 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:06 صباحاً


قلما يمسك كاتب صحفي قلمه وهو حائر في كيفية التعاطي مع الموضوع الذي اختاره بإرادته، وجشم نفسه عناء الكتابة عنه، من غير أن  يدري سلفاً ما الذي سيقوله للقراء، ونادراً ان ينغلق ذهن صاحب رأي جاد على معالجة أمر محل متابعة حثيثة واهتمام عام، من وزن  المذبحة المروعة التي وقعت يوم الجمعة الماضية في بلدة صغيرة نائية شمال غرب سيناء، دون ان يكون لديه اضافة نوعية الى جبل الكلام المتراكم حول هذه الجريمة الموصوفة كأكبر عمل إرهابي مروع في تاريخ مصر الحديثة.
وفي ما يشبه الاستسلام امام استحالة فهم مبررات ودوافع واهداف هذا العمل الوحشي، الذي يعجز الكلام عن وصفه، مهما تمكن الكاتب من البيان ومهارات اللغة، يجد المرء لديه شجاعة الاعتراف بقصور عقله عن استيعاب ما جرى داخل مسجد اثناء صلاة الجمعة، ضد مدنيين ابرياء مسالمين قتلوا بدم بارد، دون ان يعرفوا لماذا ماتوا هكذا بالجملة، ربما وسط هتافات الله اكبر، التي كان يطلقها مرتكبو مثل هذه الجريمة، كلما قارفوا عملاً شبيهاً داخل سوق تجاري او سرادق عزاء، او على رصيف في اوروبا.
والحق انني اشك بالصحة العقلية لقادة منظمات الارهاب المهووسين بالقتل وتعميم التوحش وفقه النكاية، هؤلاء الذين يواصلون بحماقة وحماسة مفرطة عملية انتحار جماعية لهم ولأتباعهم، ولا يكفّون عن استعداء الشعوب والدول ضدهم، وكأنهم نبت شيطاني، لا شأن لهم بما يعرف باسم الحاضنة الشعبية، او تعاطف الرأي العام، ولا يأبهون بميزان القوة، او يحسبون حساب الخسارة المادية والبشرية، ولا يتعظون من تجاربهم التي جرّت عليهم كراهية المجتمعات، وحملات جيوش اكبر واقوى واشرس التحالفات الدولية.
السؤال المشفوع بالعجز عن الفهم والاستيعاب هو؛ كيف كان يفكر متخذ القرار بمذبحة سيناء هذه، وهو يأمر كلاب النار بالإجهاز على كل من في المسجد دون ان تأخذهم بالصغير رحمة، او ان تتسلل الى النفس الآثمة بالكبير المسن شفقة؟، هل فكر مثلاً بالعواقب والارتدادات المحتملة من جانب دولة مركزية قوية، سوف تجد نفسها امام اهانة كبرى لا تحتمل، لديها جيش كبير متماسك، وقادر على رد التحية الدموية بأفضل منها؟ هل كل هذا الدوي الاعلامي للمجزرة كافياً لتبرير الفعلة الهمجية، وتحمل التبعات المرتقبة؟.
ولأن هؤلاء القتلة لا يبصرون أبعد مما هو تحت أنوفهم، ولا يحسنون التفكير بالكلفة إذا كانوا قادرين على ارتكاب الفعلة، فإن من شبه المؤكد أنهم ارتكبوا في مصر هذه المرة خطيئة لا يمكن إصلاحها على الإطلاق، تماماً على نحو ما ارتكبوه في بلاد الشام وأرض الرافدين من جرائم فاقت كل حدود التحمل، مما منح أعداءهم كل الذرائع المطلوبة، واستجرّ عليهم ردود أفعال نوعية، وجيشت ضدهم جيوش لا قبل لهم بها، وهو الامر الذي لن تتردد مصر الدولة والمجتمع والجيش عن القيام به في هذه اللحظة المواتية.
وكما كانت المذبحة التي جرت في معسكر "اسبايكر" في العراق ذريعة لتشكيل الحشد الشعبي الشيعي، الذي كان نقطة تحول هامة في الحرب ضد التنظيم الارهابي، وكان ذبح الصحفيين الغربيين امام الكاميرات مسوغاً لتكوين التحالف الدولي ضد الارهاب، الذي كان بدوره بداية النهاية للتنظيم المتوحش، فإن من المرجح ان تكون مذبحة سيناء الرهيبة، كلمة السر في اطلاق حملة مصرية واسعة، محمولة على موجة تعاطف شعبي جارف وغير مسبوق، واسناد دولي لا نظير له، بوتيرة مختلفة عن السابق، اذا حسّن الجيش من ادائه وتخلص من عثراته.
  اذا كانت هذه القراءة صحيحة، وهي صحيحة الى ان يثبت العكس، تكون هذه الفعلة الحمقاء قد افضت الى عكس ما خطط له القتلة، خصوصاً وانها ادت الى حرمانهم من كل تأييد محتمل من جانب قطاعات جاهلة، كانت لا ترى في الاعتداء على الكنائس او وحدات الجيش والأمن ما يثير الحفيظة، وبالتالي فإنه يمكن القول مع شديد الاسف؛ رب ضارة نافعة، حتى وإن كان الضر بحجم هذه المذبحة المؤلمة. كما يمكن في هذا المقام ايضاً استعادة المثل القائل "على نفسها جنت براقش"، وإن طال الوقت بعض الشيء. 

التعليق