البينات التربوية: الطالب بين السؤال والجواب (2 - 6)

تم نشره في الثلاثاء 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:00 صباحاً

عرفنا من المقالة السابقة أن الطالب يستمع ولا يتحدث إلا مجيبا عن سؤال، أو نادرا مثيرا لسؤال. فإذا كان المعلم هو المتحدث، فهو السائل إذن، والمعلمون يسألون ما معدله أربعمائة سؤال يوميا، بمعدل 80 سؤالا في الحصة الواحدة، وغالبا ما تكون أسئلة المعلم مغلقة تتطلب إجابة نعم أو لا، أو محددة بكلمة أو أكثر قليلا.
(1) أنواع الأسئلة
يصنف التربويون الأسئلة وفق معايير مختلفة، فهناك أسئلة مباشرة مثل "متى وأين وماذا وهل وما؟" وهي أكثر أنواع الأسئلة شيوعا، بسبب سهولة صياغة السؤال، وسهولة الحصول على الجواب.
وهناك أسئلة غير مباشرة مثل كيف ولماذا وأي؟ وهي أسئلة قليلة الشيوع لأن المعلم يسألها وهو على عجلة من أمره وليس لديه وقت لاجابات طويلة أو تصحيح لهذه الإجابات.
وهناك أسئلة باحثة عن جواب محدد مثل: ما عاصمة؟ من؟ ما اسم؟ متى؟ وهي اسئلة تنتهي فاعليتها بمجرد الحصول على الجواب.
وهناك اسئلة سابرة ممتدة، تبدأ بسؤال وتطلب من الطالب الاجابة، ثم يشتق المعلم سؤالا آخر من اجابة الطالب، وهكذا حتى يغوص المعلم في عمق مستوى الطالب، وهذه اسئلة نادرة جدا، وتتطلب اثارتها تدريبا خاصا للمعلمين.
وهناك اسئلة تثير اجابات متعددة محتملة مثل: - عادت سميرة الى المنزل دقيقتين، ثم خرجت. ماذا فعلت في الدقيقتين؟
أو - تأخرت السيدة في عودتها الى مكان عملها. ماذا كان وراء ذلك؟
عندها يقدم الطالب فرضيات عديدة لعدم وجود معلومات او ادلة على اجابة صحيحة. ونادا ما يستخدم المعلمون هذه الاسئلة أيضا.
(2) الطالب مسؤول أم سائل؟
يسرف المعلمون في شرح الدرس، مما يقلل من حاجة الطلاب إلى إثارة الأسئلة، كما يتعامل المعلمون مع حقائق واضحة لا تتطلب نقاشا، لذلك يلجأ المعلمون الى السؤال، بحثا عن وصول المعلومة الى الطالب، ولا يطلب من طلابنا غير ذلك فالطلاب مستجيبون لا سائلون، فكيف نجعل الطلاب يثيرون اسئلة بدلا من تقديمهم للاجابات؟
إن ذلك يتطلب تغييرا أساسيا في فلسفة التدريس! فإذا كان التدريس معلومات وحقائق، فالمعلمون هم أصحاب السؤال وإذا كان التدريس بناء لمواقف شخصية وتطويرا لاتجاهات فالطلاب هم الأساس يسألون ويجيبون ويبحثون ويناقشون.
كم مرة يستخدم المعلم سؤال مثل: ما رأيك؟ ماذا تختار؟ هل اعجبتك هذه الفكرة؟ انقد هذه الشخصية؟ ألّف إعلانا او بيتا من الشعر أو ارسم حدثا .. الخ.
ولنأخذ مثلا الامتحانات. إنها جميعا تركز على الحصول على الاجابات، فماذا لو عكسنا الوضع؟ - بتقديم نص، والطلب من الطلاب اثارة عدد من الاسئلة حوله؟ - او الطلب بتأليف خمس مسائل حسابية جوابها 15، بحيث تكون متنوعة: طرحا، جمعا، قسمة وضربا. - او اثارة خمسة اسئلة جوابها: عمان أو المطر .. الخ.
اذن نحتاج الى نقلة من طالب يقدم اجابات الى طالب يثير اسئلة!! هل يرحب المعلمون بالاسئلة؟ يتخذ المعلمون موقفا سلبيا من الاسئلة التي يثيرها الطلاب وهذا يعود إلى عوامل كثيرة:
- انها تعطل او تعرقل انسيابية شرح المعلم، ولذلك يتفق مع طلابه على عدم مقاطعته بالاسئلة. - انها قد تثير موضوعات خارج المنهج. - وقد يسأل الطلاب اسئلة لا يمتلك المعلم اجابة لها مما يحرج المعلم في معلوماته.
ولذلك لا يتم الترحيب باسئلة الطلاب، فكيف يمكن ان تجعل من اسئلة الطلاب ميدانا للدرس والنقاش؟
يمكن اقتراح استراتيجيات عديدة، ليس مجالها الان، لكن لو اخذنا مثالا واحدا: يقدم المعلم مشكلة ما مثل المياه او الوحدة العربية او استخدام التكنولوجيا، ويتحدث عنها مدة لا تزيد عن خمس دقائق ثم يطلب من الطلاب اثارة اسئلة يودون مناقشتها، فالمياه مثلا:
- هل كمية الماء كافية؟ هل تتسرب المياه من دولة الى اخرى؟ هل تستخدم المياه بشكل استثماري؟ هل المياه سبب لحروب .. الخ. ثم يطلب المعلم من الطلاب تحليل كل سؤال الى مجموعة اسئلة. مثلا لو اخذنا السؤال الاول: هل كمية المياه كافية؟
ما الاسئلة الفرعية من هذا السؤال؟ - ما اكثر البيئات ثراء بالماء؟ ما أقلها؟ - كيف يمكن ان يحدث تعاون مائي؟ - هل يمكن توليد مياه غير طبيعية؟ .. الخ.
اننا بذلك نطور اسئلة الطلاب وندربهم على السؤال والبحث عن الاجابات او الفرضيات.
(3) التفاعلات داخل الحصة الصفية
تحدث كثير من المربين عما يسمونه التفاعل داخل الحصة، ومن اشهر هؤلاء فلاندرز Flanders الذي وضع نظاما للتفاعل الصفي على النحو الآتي: - كلام المعلم. - كلام الطالب. - التشويش. - الصمت.
ورصد كلام المعلم بانه: - تقديم توجيهات وتعليمات. - توجيه معلومات. -  توجيه اسئلة. - توجيه اجابات.
ورصد كلام الطلاب بانه: - طلب معلومات. - اثارة اسئلة.
اما التشويش فمدته تختلف من بيئة صفية الى اخرى ولكنه لا يقل عن 5 - 10 دقائق في الحصة. وهناك لحظات صمت وتأمل.
أشارت دراسات عالمية واردنية عديدة الى أن نسبة كلام المعلم الى كلام الطلاب عالية جدا، مما يشير الى ضعف فرص اي حديث للطلاب. اذن نحن بحاجة الى تعديلات عديدة، والتوجه نحو معلم الدقائق الخمس بدلا من اعتقال الطلاب في محاضرة مدتها اربعون دقيقة، بل وقد تمتد احيانا الى اكثر.  

* مدير مركز الاستشارات والبحوث التربوية\ مجتمع النهضة التربوية.

التعليق