في رحاب الأقصى: أمنية تتحقق

تم نشره في الأربعاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:00 صباحاً
  • منظر عام يظهر قبة الصخرة المشرفة بالمسجد الأقصى في القدس القديمة - (أرشيفية)

د. جودت أحمد المساعيد

  تبقى لدى الإنسان المسلم في كل مكانٍ من هذا العالم الواسع، أمنية تراودهُ طيلة حياتهِ، وتتمثل في قيامهِ بزيارةٍ واحدة أو أكثر لأعظم الأماكن قداسةً للمسلمين في هذا الوجود، وهي: المسجد الحرام حيث مهبط الوحي في مكة المكرمة، والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، حيث أقام الرسول الأعظم دولة الإسلام الحنيف، والمسجد الأقصى المبارك في بيت المقدس بفلسطين، حيث مكان الإسراء والمعراج. 
 وبما أنه يسهل الوصول من جانب المسلم إلى الأماكن المقدسة في الديار الحجازية، سواءٌ عن طريق أداء مناسك العُمرة أو أداء فريضة الحج، إلا أن مسرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ومعراجه في القدس الشريف، يقع تحت احتلال صهيوني بغيض منذ الخامس من شهر حزيران(يونيو) من عام 1967م، مما حرم مئات الملايين من المسلمين في جهات العالم الأربع، من زيارة أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
 وكم كنتُ أزور ذلك المكان الطاهر في طفولتي، برفقة المرحوم والدي، حيث كنا نعيش قبل الاحتلال الصيوني لمدينة القدس، في بلدة الشونة الجنوبية بالأغوار الأردنية، التي لم تكن تبعد عن المسجد الأقصى سوى خمسين كيلو متراً، وكانت الضفة الغربية وعلى رأسها بيت المقدس تحت الحكم الأردني آنذاك. وكان والدي يحرص كثيراً على أداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى خلال عدة شهورٍ من السنة، مع التركيز على شهر رمضان المبارك. وكانت المواصلات أيامها سهلة جداً ورخيصة للغاية.
       وكان يحرص والدي على أن أرافقه في كل زيارة للمسجد الأقصى لأنه لاحظ تفوقي المستمر في المدرسة، وأدائي للصلوات الخمس وصوم رمضان، منذ إتمامي للصف الثاني الابتدائي من المرحلة الأساسية الدنيا. وكم أتذكر بأنه في كل شهر من أشهر رمضان الكريم، كان يأتي إلى المسجد الأقصى المبارك أشهر مقرئي القرآن الكريم آنذاك، مثل الرحوم الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والمرحوم الشيخ محمد صديق المنشاوي، والمرحوم الشيخ أبو العينين شعيشع، بالإضافة للمقرئ الرسمي الخاص بالمسجد الأقصى وقتها المرحوم الشيخ عبدالله يوسف. وكم كنا نتدافع مع كثير من جمهور المصلين داخل المسجد الأقصى بعد أداء صلاة الجمعة، للسلام على هؤلاء المقرئين المرموقين ومصافحتهم.
 كل ذلك قد غرسَ في نفسي محبةً خالصةً لبيت المقدس وللمسجد الأقصى، نابعة من أسبابٍ دينيةٍ عميقة، إضافةً إلى عامل الذكريات القوي للغاية، للعشرات من الزيارات التي حفرت في ذاكرة طفولتي المبكرة والمتأخرة، مشاهد واقعية لباحات المسجد الأقصى وقبة الصخرة، والصلاة في زواياهما الداخلية والخارجية. هذا علاوةً على التجوال بعد أداء الصلاة في أسواقها العتيقة التي لا مثيل لها، والتي كانت تكتظ بالمصلين والسواح في وقتٍ واحد، الذين كانوا يشتمون روائح العطور والبخور، وتقع أعينهم على ما لذ وطاب من الأكل الحلال والشراب، والبضائع التقليدية والحديثة في وقتٍ واحد.
لذا، كان وقع احتلال الصهاينة للقدس والضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء والجولان خلال حرب عام 1967م،  صاعقاً جداً على نفسي، كما هو الحال بالنسبة لبقية العرب والمسلمين، وكنت أيامها في مرحلة البكالوريوس الجامعية. فقد تمكن العدو ليس من احتلال أراضٍ عربيةٍ عزيزةٍ جداً على القلب فحسب، بل وأيضاً استطاع أن ينزع من فؤاد كل مسلمٍ ومسلمة مكاناً طاهراً وغالياً على نفسه وهو المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ليجعلهُ حبيساً وأسيراً لا يستطيع الوصول إليه إلا إذا وافق ذلك المحتل على ذلك، ولغايةٍ في نفس يعقوب، من أجل تحقيق أهدافٍ سياسيةٍ خبيثة.
وحرمتُ أنا وغيري من مئات ملايين المسلمين حول العالم، من زيارة أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. وقد طال هذا الحرمان بالنسبة لي شخصياً وامتد زمنياً إلى ثلثِ قرنٍ من الزمان بالتمام والكمال، عندما سمحت لي الأقدار والظروف العلمية بذلك.  فما أن عُدتُ من جامعة السلطان قابوس بسلطنة عُمان في النصف الثاني من عام 1998م، حتى التقيتُ برئيس اتحاد الجامعات العربية في عَمان آنذاك معالي أ.د. مروان كمال، الذي أخبرني بحاجة جامعة النجاح الوطنية في نابلس، إلى أستاذ جامعي تربوي ذي خبرةٍ طويلة، يعمل على تطوير كلية التربية فيها. وبعد مناقشةٍ مستفيضة معه، وافقت على العرض، وطلب مني إحضار جواز سفري الأردني لاستكمال إجراءات الحصول على إذن رسمي للدخول إلى الضفة الغربية والتدريس في تلك الجامعة، وهذا ما حصل في أوائل عام 1999م.
وهنا، فإنه إضافةً إلى الأنشطة التدريسية والبحثية والخدمات الإجتماعية التي ينبغي على الأستاذ الجامعي القيام بها، والتي تمّ توضيحها بالتفصيل في مقالاتٍ أخرى، فقد لاحت أمامي الفرصة الذهبية النادرة لتجديد ذكريات الطفولة الدينية الجميلة بزيارة المسجد الأقصى المبارك، والعمل على تقليد تلك السُنة الحميدة التي كان المرحوم والدي قد سنها من قبل، بأداء صلاة الجمعة في ذلك المسجد الطاهر، وأنا في أشد الشوق والحنين لذلك الموقع والمكان، بعد وقتٍ طويلٍ من الحرمان، امتد لثلثِ قرنٍ من الزمان.
وما أن التحقتُ بالعمل في جامعة النجاح الوطنية، حتى بدأتُ صباح كل يوم جمعة تقريباً، بمغادرة الشقة التي عشتُ فيها أربع سنوات كاملة في منطقة (المخفية) بجوار جامعة النجاح الوطنية بنابلس، قاصداً وسط المدينة، حيث توجد حافلات (التميمي) للركاب المتجهة إلى مدينة بيت المقدس، وكانت المسافة تمضي دون ملل، من خلال النظر صوبَ الحقول الخضراء الزراعية والأشجار المثمرة هنا وهناك وعلى رأسها العنب والتين الزيتون واللوزيات وغيرها. ولم يكن ينغصُ على الركاب من شيء سوى وقوف الحافلة من وقتٍ لآخر، كي يصعد جنود الاحتلال المدججين بالسلاح لطلب البطاقات الشخصية من بعض الركاب ولا سيما فئة الشباب منهم.
 ونظراً لأن مدينة القدس قد تغيرت كثيراً بفعل أنظمة وقوانين المحتلين، الذين قاموا بضمها رسمياً إلى كيانهم المزعوم منذ بدايات الاحتلال، فقد قمتُ بالتنسيق في الزيارات الأولى للمسجد الأقصى، مع الأخ المربي المعروف الأستاذ الدكتور أحمد فهيم جبر، عميد كلية التربية آنذاك بجامعة القدس(أبو ديس)، والذي استقبلني استقبالاً حافلاً بمنزلهِ العامر في آخر حي من مدينة رام الله، وقبل الدخول مباشرةً إلى الأحياء الملحقة بمدينة القدس مثل حي شعفاط وحي الشيخ جراح.  وقد نَعمتُ بصحبتهِ إلى المسجد الأقصى خطوةً بخطوة.
 وكم كنتُ أشعر بالحزنِ الشديد وأنا أدخل ضواحي القدس المليئة بالجنود الصهاينة هنا وهناك، مع العوائق المتنوعة التي كنا نراها في أماكن التفتيش العديدة، حتى على أبواب القدس التاريخية العريقة، لأنهم يفتشون كل شيء، وتحوم الشكوك في نفوسهم من كل شيء، لدرجة أنك ترى الخوف ماثلاً في عيونهم، رغم كونهم مدججين بالسلاح، بينما من يسير في الشوارع من المواطنين الفلسطينيين هم عُزلٌ تماماً من ذلك السلاح.
 وما إن اقتربنا من سور القدس الكبير، ودخلنا من باب العامود صوب أحياء القدس القديمة، حتى بدأتُ أتذكر جيداً زيارات الطفولة الكثيرة لهذه الأسواق العتيقة المغطاة شوارعها بالأحجار الكبيرة، التي قام بترسيخها في جذور تلك الأرض المقدسة، الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، والسلطان العثماني سليمان القانوني. وكم كنتُ أمعنُ النظر جيداً كي أرى المحلات المليئة بالمعروضات من الحلوى والمأكولات المقدسية التي تفتح الشهية من ناحية، ومن الملابس والبضائع المنوعة التي تبهر العيون من ناحيةٍ ثانية. ولم يكن ينغص النفس البشرية المسرورة في تلك اللحظات سوى رؤيتنا لقطعان المستوطنين وهم يصولون ويجولون لإرهاب أهل الأرض والمقدسات، كي يتبعوها بعد ذلك بوضع العلم الصهيوني على بعض المباني الفلسطينية القديمة، التي صادروها إما بالقوة أو بوسائل التحايل المتنوعة.
  وتجلت الصعوبة الحقيقية أمامنا عند الوصول إلى النقطة العسكرية الأخيرة قبل الدخول إلى باحات المسجد الأقصى، إذ يقف جنود الاحتلال ومجنداتهِ لتفتيش الرجال والنساء بطريقةٍ يغلب عليها الإهانة الشديدة، يسمحون في ضوئها لجزءٍ منهم وبخاصةٍ كبار السن بالدخول، في حين يُعيدون آخرين من حيثُ أتوا، كي يحرموهم من أبسط حقوق الإنسان، المتمثلة في حرية أداء الشعائر الدينية  لعبادة الخالق الأعظم، ضمن المكان الذي يريده ودون منع أو حرمان.
وما أن اجتزنا ذلك الحاجز التفتيشي اللعين، حتى دخلنا إلى الساحات المطلة على المسجد الأقصى، الذي ما أن وقعت عينايّ عليه وعلى مسجد قبة الصخرة، حتى انهمرت الدموعُ تلقائياً لسببين رئيسين: الأول يعود الى الفرحة الغامرة للقائي مع ذلك المكان الطاهر بعد ثلث قرنٍ من الحرمان، والثاني يرجع إلى الحزن الشديد على كونه الأسير الطاهر في أيادٍ صهيونية ملوثةٍ بالقتل والتدمير والتشريد والإجرام والاحتلال الغاشم.
 وتوجهنا بسرعة بعد ذلك إلى أحد أبواب المسجد الأقصى حيث أدينا ركعات كثيرة لله تعالى، مقرونة بقراءة سورٍ عديدة من القرآن الكريم ، حتى جاء موعد صلاة الظهر، كي ننتقل بعدها إلى مسجد قبة الصخرة المشرفة لأداء النوافل وقراءة القرآن من جديد، حتى موعد صلاة العصر، إلى أن انتقلنا للمسجد المرواني الشريف لأداء الشعائر ذاتها حتى صلاة الغرب، كي نغادر بعدها تلك البقعة الطاهرة، إلى خارج الأسوار، ونعمل على توديع بعضنا، وعودتي إلى مدينة نابلس الصامدة.
 وقد عملتُ على تكرار تلك الزيارة مراتٍ عديدة وحدي، إلى أن اشتدت إجراءات الاحتلال الصهيوني خلال انتفاضة الأقصى، وزادت من عراقيل التنقل بين مدن الضفة الغربية جميعها وعلى رأسها القدس، ما أدى إلى توقف زياراتي، وبخاصة عندما انتهت فترة عملي بجامعة النجاح، عائداً إلى العاصمة الأردنية عمان، بعد أربع سنوات من العمل في بلاد الرباط المقدسة.
وباختصار شديد، فإن ارتباط الإنسان المسلم بعقيدته، تجعله يتطلع دوماً إلى زيارة أقدس المقدسات لديه، بصرف النظر عن طبيعة مهنتهِ، وبخاصةٍ كلما سمحت له الظروف بذلك، سواءٌ بالسفر إلى الديار الحجازية حيث الحرم المكي الشريف، ومسجد الرسول الأعظم في المدينة المنورة،  أو إلى بيت المقدس حيث المسجد الأقصى المبارك، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، كي يشعر بالاطئنان الروحي أولاً وأخيراً.

التعليق