التحرش!

تم نشره في الأربعاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:05 صباحاً

يستطيع المتتبع لما تم تداوله، خلال الأيام الماضية، حول موضوع التحرش في الأردن، والذي بثته قناة "دويتشه فيله" الألمانية، وما أثار ذلك من مناقشات وجدال واسع بين من يشكك بوجود مثل هذه الظاهرة أو يقول بوجودها لكن بشكل بسيط أو عدم وجودها أصلًا، أن يخرج بعدة ملاحظات أو إشارات منها ما هو سلبي ومنها ما هو إيجابي.
أولى تلك الملاحظات هي أن هذه الظاهرة، إن صح إطلاق مثل هذا التعبير عليها، تستحق أن تأخذ الوقت الكافي من اهتمام الجهات المعنية سواء أكانت حكومية أو أهلية وكذلك المواطنين، وعمل دراسات يتمخض عنها خريطة طريق موجهة للجنسين ولجميع الأعمار، تشتمل على خطط علاجية كتشديد العقوبة على مرتكب فعل "التحرش" والغرامة المالية.
وخطط أخرى وقائية، وهذه تقع على كاهل الأسرة أولًا ثم المدرسة ودور العبادة، فالجامعة والشرطة المجتمعية ووسائل الإعلام المختلفة، وبالأخص إذا ما علمنا بأن الذين يرتكبون هذا الفعل تتراوح أعمارهم ما بين 15 و45 عامًا.
ونحن على ثقة بأننا سنخرج بالنهاية بحلول تقضي على هذه "ظاهرة التحرش" أو وأدها في مهدها، أيًا كانت أسبابها كالفقر والبطالة، وقلة الوعي الديني والثقافي.
وثاني تلك الملاحظات، هو التساؤل التالي: "لماذا يتم طرح مثل هذه المواضيع من قبل منظمات ووكالات أجنبية؟ وهل يُقصد منها تشويه صورة المجتمع؟"، في وقت لا تطرح فيه هذه المنظمات والوكالات قصص النجاحات الأردنية، مثل "نجوم العلوم" الأردنيين.
وحتى لا يظن البعض، بأننا نضع رأسنا في الرمال، فإننا نقر بوجود مثل تلك التحرشات، فالدراسات غير الرسمية تؤكد "أن  53 % من الأردنيات تعرضن لتحرش جنسي بمختلف أنواعه (لفظي، نظر وإيماءات، لمس، واستخدام وسائل الاتصال المختلفة). كما أن هناك متخصصين يؤكدون أن التحرش بأنواعه المختلفة من ممارسة فعلية إلى نظرة إلى كلمة "منتشر بنسبة تصل إلى  90 % خصوصا في أماكن العمل".
أضف إلى ذلك، بأن هناك دراسة للمجلس الوطني لشؤون الأسرة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسيف" اجريت العام 2007 تشير إلى أن "واحد من كل ثلاثة أطفال يتعرض لنوع من أنواع التحرش الجنسي في الشارع".
وهنا يقع اللوم والعتب على المنظمات والجمعيات وبعض وسائل الإعلام المحلية، لتركها الساحة لآخرين، يناقشون موضوعات تُعتبر في ذهن البعض من المحرمات أو القصد منها النيل من البلد.
وثالث تلك الملاحظات، أنه ما يزال يوجد بمجتمعنا، ونحن على أبواب انتهاء العشرينية الأولى من القرن الواحد والعشرين، من يعتقد بأننا شعب منزه عن الخطأ أو بأننا بلا خطيئة، ويعتبرون أن من يرتكب أشياء مخلة بالآداب والأخلاق أو منافية للحياء العام مقتصر فقط على جنسيات معينة دون غيرها.
ليس عيبًا ولا حرامًا أن تخرج فتاة إلى الجهات المعنية وتقدم شكوى بتعرضها لـ"تحرش"، لكن ما هو معيب ومناف للشيم والعادات والتقاليد الأردنية الحميدة أن نسمها بأنها "غير محترمة، والا ما كانت لتتعرض لتحرش".
نخشى أن تتفاقم المشكلة وتصبح ظاهرة واضحة للجميع، يصعب السيطرة عليها، وعندها تصبح نساء وفتيات كُثر عرضة للاكتواء بهذه الآفة، وبالتالي يصعب لجمها أو التغلب عليها.
يجب التحدث بصوت عال وكسر حاجز الصمت، والاعتراف بأن هناك مشكلة، حتى وإن كانت حالات فردية، وعدم التمترس وراء أوهام كالخشية من الفضيحة أو مشاكل عشائرية، أو النظرة السلبية، حتى نستطيع وضع الحلول لمعالجتها والقضاء عليها، فتعزيز منظومة الأخلاق وحماية حقوق الإنسان من مقومات استقرار أي مجتمع.
رابع تلك الملاحظات، هو أن عدم وجود أرقام رسمية حول ظاهرة "التحرش"، ولا حتى دراسات حكومية حول هذا الموضوع، دليل على أن هناك تقصيرا من جانب الجهات الرسمية بهذا الجانب، ولا نجد سببا مقنعا لعدم وجود مثل هذه الدراسات، مع الإقرار بأن مجتمعنا هو "ذكوري" لا يقيم، نوعًا ما، للأنثى وزنًا ولا أهمية.

التعليق