علاء الدين أبو زينة

حاجز "التوافق مع الثقافة"..!

تم نشره في الخميس 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:06 صباحاً

أحد أهم المعيقات التي تعطل التغيير هو فكرة "التوافق مع الثقافة"، بمعنى النصح بأن يكون أي خطاب منسجماً مع الأعراف والأفكار والطبائع المستقرة. وحيث يُعتبر "المساس" بهذه "الثوابت" خروجاً مرفوضاً على المألوف واستفزازاً لما يسمى المشاعر العامة. ولكن، كيف يمكن إحداث أي تغيير ذي معنى في الثقافة – أي "طريقة الحياة"- إذا كان طرح الأفكار الجديدة وغير المألوفة محظوراً في المقام الأول؟ وكيف يمكن الأمل في أي تطوُّر إذا كانت مختلف المنابر محرمة على أصحاب الأفكار والاقتراحات الجديدة؟
من الطبيعي أن التكوينات تقاوِم التغيير. وعادة ما يميل ميزان القوة لصالح التكوينات المستقرة لأنها تكون قد أسست لنفسها دعائم وأشاعت حِسّاً بالاعتياد. لكن الأشياء تتغير مع ذلك، ربما بعد أن تتمكن التكوينات البديلة من كسب الزخم وإحداث الطفرة. ويغلب أن تستفيد الاتجاهات الجديدة لتغيير الثقافة من رواج قناعة بأن الشروط الحالية لم تعُد تخدم مصالح عدد كبير من أعضاء المجتمع المعنيّ؛ وإذا كانت الاقتراحات الجديدة تنطوي على وعد واقعي إيجابي؛ وإذا أتيحت للعقل الجماعي قدرة مفاوضة الخيارات.
أوروبا الوسيطة قبِلت أفكار التنوير والنهضة، على الرغم من مقاومة الكنيسة والإقطاع. والمجتمع العربي الجاهلي قبِل أفكار الإسلام، على الرغم من معارضة زعماء القبائل وأصحاب المصالح. وروسيا قبلت الاشتراكية في إحدى المراحل على حساب النظام القيصري ومتعلقاته. وغالباً، كانت التكوينات القديمة تقوِّض نفسها وتتفكك بسبب عيوبها البنيوية التي تدفع الناس إلى المغادرة والمغامرة بتجريب شيء جديد يبدو أكثر إقناعاً.
تصبح الثقافة أكثر عناداً ومقاومة للتغيير إذا رُبط أكبر عدد ممكن من قيمها ومكوناتها بالمقدّسات. وفي كثير من الأحيان، يكون هذا الربط تعسُّفياً، مثل رفض العلم والتفسيرات العملية للسلوك والكون وحركة المجتمع والأخلاق وبنية الحُكم والكثير من الأشياء، باعتبار أنها تناقض المعتقدات. وتتفاقم المشكلة إذا كانت الأنظمة السياسية لا ترى مصلحة في التغيير من أسفل ولا من أعلى. وكثيراً ما يحدُث اتحاد مصلحة بين السلطة والمقدّس بحيث يندغمان تماماً. وفي هذه الحالة، يصبح اقتراح التغيير، حتى في نوعية الحكم، "مساساً" بما لا يُسمح المساس به.
يقول "الدليل السوسيولوجي" إن التغيرات الثقافية تتحرك بثلاث طرق. "الأولى هي الاختراع،- عملية خلق عناصر ثقافية جديدة. وقد أعطى الاختراع لنا الهاتف والطائرة والكمبيوتر، وكان لكل من هذه العناصر من الثقافة المادية تأثير هائل على طريقتنا في الحياة. والسبب الثاني للتغيير الثقافي هو الاكتشاف، الذي ينطوي على إدراك وفهم شيء موجود مسبقاً بطريقة أكثر اكتمالاً، ربما نجم بعيد أو أطعمة من ثقافة أخرى أو مهارات المرأة في القيادة السياسية. والسبب الثالث للتغير الثقافي هو الانتشار، نشر السمات الثقافية من مجتمع لآخر".
إذا افترضنا أن هذه الوصفة دقيقة بما يكفي، فإن شروط التغيير الثقافي شبه معدومة في بيئتنا الحالية. ليس هناك اختراع معقول، ولا اكتشاف بمعنى تعميق فهمنا لما هو قائم، وليس هناك إمكانية للانتشار، لأن المعروض الذي أصبح الماركة التجارية لثقافتنا (المعرَّف مؤخراً بالتطرف والإرهاب) ليس مطلوباً على الإطلاق من جهة، ولأن ثقافتنا تعاني مؤخراً من انغلاق غريب على الثقافات الأخرى، ولا تعرف –إذا انفتحت بشروط- ما الذي تنتخبه من سمات الثقافات الأخرى.
يقترح كل شيء في واقعنا استحقاق التغيير الجوهري في بنية الثقافة، لأن منتجاتها -بما هي عليه- تلحق الضرر بمنتسبيها. ومع ذلك، يندُر أن يكون هناك عناد ومقاومة للتغيير مثلما لدينا الآن، ربما بسبب إغلاق الطرق المستمر أمام تغيير بنية العقل السكوني، وإفراد كل المساحة المتاحة لنوع واحد تقريباً من الخطاب. وهو خطاب هائل النفوذ لأنه صادر عن سلطة المقدس وسلطة السياسي معاً. وأمام جبروت هذا الثنائي، يَخفُت أي صوت.
مع ذلك، يمكن إحداث التغيير إذا فضّت السلطات السياسية شراكتها مع التكوينات الفكرية السكونية، ونزعت صفة القداسة عما لا ينبغي أن يكون مقدساً، واقتنعت بأنَّ فتح العقل والسماح بإمكانية الاختراع، والاكتشاف، وتعديل العلاقات المفاهيمية بين الظواهر، هي السبيل إلى الخروج من المأزق. وستكون الخطابات الجديدة التعددية في هذه الحالة غير متوافقة قطعاً مع الثقافة، "طريقة الحياة"، القائمة غير المنتجة والرجعية كما هي، وسيجد تبريره في بسط منافع التغيير ومخاطبة غريزة المصلحة الغالبة في البشر.

التعليق