ماجد توبة

ليست مجرد مشكلة حقيبة!

تم نشره في الخميس 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:05 صباحاً

تشفق كلما رأيت طلبة المدارس، خاصة في المرحلتين الابتدائية والاعدادية، وهم يكابدون كل صباح ومساء ويوميا في حمل حقائبهم المدرسية بما تحويه من كتب متضخمة وكثيرة ينوء بحملها الكبار فعلا! ما يفتح –كما بات معروفا- على تسبب مثل هذه الحقائب بأضرار صحية للطلبة، تطال العمود الفقري والمفاصل وغيرها.
هي مشكلة قديمة وليست جديدة، وقد كُتبت حولها تحقيقات ومقالات صحفية عديدة على مدى السنوات الماضية، وتحدث حولها تربويون وأطباء دون فائدة أو تغيير، بل صدرت في أوقات وحكومات سابقة وعود رسمية بمعالجة مثل هذه المشكلة، فذهبت الوعود ومطلقوها وبقيت المشكلة.
طبعا؛ المشكلة ليست صحية أساسا، بل هي تربوية ولها علاقة بالمناهج والكتب المدرسية والعقلية التي تصوغها، وهي مشكلة تدخل في صلب أزمة العملية التعليمية التي نعاني منها، والتي تراوح وللأسف ورغم كل الخطط والدراسات في ذات المربع. ومشكلة الأضرار الصحية لثقل وضخامة الحقيبة المدرسية، على أهميتها وخطورتها، هي عرض لمشكلة جوهرية في صلب العملية التعليمية وفلسفتها.
باختصار شديد؛ مشكلة الحقيبة المدرسية المتضخمة تعكس حجم الحشو في الكتب المدرسية وارتفاع أحجام ما تتضمنه هذه الكتب من مواد علمية ودروس، يطغى عليها جانب التلقين والحفظ والحشو على حساب جانب التحليل والفهم، وهذه هي المشكلة الجوهرية للعملية التربوية، فيما تتضافر عليها أيضا، مشكلة الاستقطاب السياسي والأدلجة ومحاولات فرض وتعزيز حضور تيار سياسي وايديولوجي في كل ثنايا العملية التعليمية، بما فيها عملية صياغة وتأليف الكتب المدرسية والحرص على حشوها بكم كبير من الدروس والشواهد دون مراعاة للبعد العلمي او التربوي المنشود من هذا الدرس أو ذاك.
ليست ببعيدة عنا معركة تعديلات الكتب المدرسية التي جرت العام الماضي، والتي أعطيت أبعادا سياسية وأيديولوجية كبيرة، وأطلقت موجة خطيرة من الاستقطاب السياسي والشعبي، وحرّفت النقاش حول المناهج والكتب المدرسية من بعدها التعليمي التربوي إلى أبعاد سياسية ودينية ودعائية حساسة، دفعت وللأسف الشديد، إلى الارتداد عن أي تعديلات جوهرية على الكتب والمناهج، فعادت كتب العام الدراسي الذي تلاه (الحالي) إلى التضخم الكبير، وحشوها بما يفوق قدرات الطلبة وطاقاتهم، وهو أمر يمكن أن يلاحظه أولياء الأمور عيانا.
ففي تلك المعركة اختلط الحابل بالنابل، وغاب العقل عن النقاشات والجدالات حول الكتب المعدلة، ودفع البعض بالنقاش إلى الهجوم على اختصار دروس وتخفيف منسوب الحشو بالكتب والدروس ومواد الحفظ، بل وشكّلت تلك الحملة الهجومية رادعا لكل من يمكن أن يفكر لاحقا بخفض وتقليص المادة الدراسية في الكتب المدرسية. لذلك لا نستغرب عودة وزارة التربية ولجان المناهج إلى الكتب الكبيرة وزيادة المواد ونصوص الحفظ فيها في العام الدراسي الحالي، ما أعادنا للمربع الأول.      
وزير التربية والتعليم د. عمر الرزاز كان عبر مرارا عن إيمانه وتخطيط وزارته للانتقال التدريجي العام المقبل من مرحلة الحفظ إلى مرحلة الفهم والتحليل. وهو يراهن، بحسب ما فهمت منه في إحدى المقابلات مع "الغد"، على التحول والتوسع في الأسئلة الموضوعية بدل أسئلة الحفظ، في الامتحانات المدرسية كما في "التوجيهي" باعتبار ذلك طريقا سيفرض بالمحصلة تقليص مساحات الحفظ والحشو والانتقال الى مهارات التحليل والتفكير الناقد.
قد يكون هناك طرق أسرع وأسهل للانتقال إلى إزالة الحشو ومواد الحفظ في الكتب المدرسية وخفض منسوبها لصالح تعزيز مهارات التفكير العليا من تحليل ونقد، لكن معركة المناهج والكتب المدرسية التي أشعلت الساحة الأردنية العام الماضي أظهرت أن مثل هذه الطرق السهلة والسريعة صعبة المنال والتمرير في ظل الواقع السياسي والثقافي السائد والمتردّي، بالرغم من الحاجة الماسة لمثل هذه التغييرات والتعديلات، والتي يمكن أن تنعكس أول ما تنعكس في معالجة مشكلة وعبء الحقيبة المدرسية التي تثقل كاهل طلابنا، والتي تقف يوميا شاهدة على استعصاء أزمة العملية التربوية والتعليمية.

التعليق