ما بعد هزيمة "داعش" !

تم نشره في الخميس 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 01:04 صباحاً

أُعلن في الأيام والأسابيع الماضية هزيمة "داعش" في العراق وسورية مُنهية بذلك ما يمكن تسميته بـ "دولة الخلافة" التي ادّعت "داعش" إقامتها في العراق وسورية.
لقد تطلبت هزيمة "داعش" تحالفاً دولياً من أكثر من 60 دولة يقابله تحالف آخر تقوده روسيا من بوابة سورية. الهزيمة الأكثر أهمية جاءت في الموصل، إذ كانت سيطرة التنظيم عليها تشكل قمة نجاحه في العام 2014 وكذلك في مدينة الرقة العاصمة المُعلنة للتنظيم.
إن هزيمة "داعش" بالموصل وقساوتها لها لا تمثل هزيمة استراتيجية وحسب، وإنما تشكل أيضاً هزيمة رمزية لا تقل أهمية عن الخسارة الاستراتيجية للمدينة التي أُعلنت فيها إقامة دولة الخلافة، وهي المدينة ذاتها التي تم الإعلان فيها عن موته.
الهزيمة الجغرافية لـ "داعش" لا تعني بالضرورة موتها أو نهايتها، لأن "داعش" الفكرة والإيديولوجيا لم تمت بهزيمة "داعش"، ليس فقط لجذور هذا التنظيم المرتبطة بـ "القاعدة" وإنما لأن الفكر المتطرف الذي بنت "داعش" قوتها على أساسه قد أصبح منتشراً لدى شرائح واسعة في المجتمعات العربية التي باتت تحمل هذا الفكر بصرف النظر عما آل إليه التنظيم، وعليه فإن البعد الإيديولوجي لهذا التنظيم الإرهابي لن ينتهي سريعاً.
لا يقل أهمية عما ذُكر تلك الظروف التي ساعدت في نمو وتوسع هذا التنظيم وفكره، وهي الظروف السياسية التي ساهمت في نموه وتوسعه، حيث  قام باستغلالها للترويج لفكره وأيديولوجيته التي ساهمت في انتشار فكره بشكل كبير، وبخاصة في فترة صعود التنظيم.
 هذه الظروف التي تمثلت بانهيار الدولة في العراق ومؤسساتها الوطنية والى درجات متفاوتة بسورية، وقد يكون الأهم من ذلك هو اتخاذ النزاع طابعاً فئوياً وطائفياً، ما أدى لوجود شعور بالغبن والاضطهاد لدى المكونات السنية بالعراق وسورية. إضافة الى ما حدث من فظاعات وانتقام خلال عملية تحرير الموصل وغيرها ليس فقط لمقاتلي "داعش" وإنما للسكان المدنيين في المناطق التي خضعت لحكم "داعش" على شكل محاكمات ميدانية تفوح منها رائحة طائفية، كما وثّقه التحقيق الذي أجراه الصحفي غيث الأحمد والذي أشار إليه الصديق الكاتب والباحث د. محمد أبو رمان في مقالته أمس وغيره من التقارير التي تتوصل للنتائج نفسها.
هزيمة "داعش" في العراق وسورية لن تؤدي لنهاية التنظيم، والأرجح أن يتم تغيير استراتيجيته والعودة أكثر الى جذوره القاعدية، واللجوء لزمن الأساليب السابقة، ولكن أيضاً الانتقال الى أماكن أو ساحات أخرى للقتال مثل: اليمن وليبيا والصومال وغيرها من الدول. علاوة على ذلك، هناك احتمالية استخدام هذا التنظيم من قبل قوى استخباراتية إقليمية أو دولية لتحقيق مصالح محدودة.
هُزم تنظيم الدولة ولم تهزم أيديولوجيته، ولكن حتى يتم القضاء نهائياً على التنظيم وفكره، والذي يتطلب وقتاً ليس ببسيط، لا بد من إيجاد حلول عادلة تضمن حقوق كافة مكونات الشعبين العراقي والسوري، إضافةً الى إعادة الإعمار للمدن والمناطق التي تم تدميرها في العراق وسورية، ولا يقل أهمية عن ذلك موضوع عودة اللاجئين وتوفير ظروف اقتصادية ومعيشية لائقة، وإعادة دمجهم في بلدانهم.

التعليق