محمّد يوحِّدنا

تم نشره في الجمعة 1 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي

في النفس آهات كثيرة تبعث على التعجب من أمر هذه الأمة، كيف أعطاها الله تعالى من المقوّمات ما تسود به الدنيا، ولكنها تنتكس أحيانا وتنكص لتلتهي بأمور هي أقرب إلى السخف واللعب واللهو، وتنسى تاريخا مجيدا ووعدا إلهيا بأنها الأمة المنصورة الظاهرة على الأمم. ولا نشك أبدا في وعد الله تعالى، ولكن سُنَّة مداولة الأيام ماضية، ولا تتخلف أبدا، ومنذ قرن تقريبا والأمة في وهن واحتلال أديا إلى شلل إرادتها.
تمر ذكرى ميلاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والأمة في فرقة عجيبة، وفي شحناء وانقسامات ما عهدناها، والأغرب أنها مسيَّرة من قِبَل أعداء تصدقهم وتكذّبُ شرائحُ كثيرة من مجتمعاتنا منهجَ الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أمر عجيب غريب أن تذهب أمتنا مذاهب شتى وتترك دينها، ترضي القاصي والداني وربما تعمل من أجل سعادتهم، ولكن لا يخطر في بالها أن ترضي الله تعالى. نرى دماء المسلمين تُسفَك في أكثر من بلد، ويتعرض كثير من المسلمين للاستخفاف والإهانة والقتل، وربما كثير من أسباب هذا هي من صنع أيدينا، ونتيجة لتشتُّت ولاءاتنا، وها هي الأمور تتفاقم، وتزداد حيرة المسلمين، ونخشى أن يكون اليأس قد تسرَّب إلى قلوب كثيرين.
مُجمِّعات هذه الأمة أكثر من مُفرِّقاتها، الله يجمعنا، والنبي صلى الله عليه وسلم والقرآن والإسلام والقِبلة والأقصى، فلا أحد من المسلمين ولو كان عاصيا يكره أيا من هذه المجمِّعات، نختلف وتتعدد وجهات نظرنا ومذاهبنا العقدية والفقهية والفكرية والعملية، ولكن لا بد أن نبقى تحت مظلة هذا الدين العظيم، ونتعامل وفق آدابه وأحكامه، وأهمها احترام بعضنا البعض ووجهات نظرنا وآرائنا، فالاختلاف الفرعي لا يُفسِد للود قضية، ولو لم يكن من مُوحِّد لنا إلا مكر أعدائنا بنا لكفى، فهم الذين يشعلون نار الحرب والفتن بيننا، ونحن أحيانا ببغاوات نكرّر ما يقولون من دون وعي، ولا ينقصنا إلا شيء من الفهم وحسن الانتماء لهذا الدين العظيم.
هذا محمد صلى الله عليه وسلم الذي نعيش ذكرى مولده، يحرص على هذه الأخوة بين المسلمين وحقوقها، فهو الذي أشعر المسلمين في بداية الدعوة بأهميتهم حتى لو كانوا رقا مستضعفين، وهو الذي آخى بينهم بُعيْد هجرته إلى المدينة، ليشعرهم بأهمية الأخوة وحقوقها، وهذا الدين هو الذي جعل الحبشي والرومي والفارسي يدا بيد مع العربي، وجعل الإسلامُ ميزانَ المفاضلة في التقوى، وقدّم المسلمون عبر تاريخهم حضارة ما زال الغرب على وجه التحديد يحتفظ بها ويتحدث عنها، فكان الإسلام العظيم دافعا لهم لرعاية شأن الدين والدنيا معا، وهكذا كانوا بناة الحضارة الإنسانية، وحققوا مقصدا مهما من مقاصد الإسلام العظيم، حيث سعادة البشرية وطمأنينتها ورفع كرامة النفس الإنسانية وأمنها.
هذا محمد صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين المسلمين، وعاشوا الأخوة حقيقة، وأكدها الله تعالى بقوله: "إنما المؤمنون إخوة"، وإن كان ثمة خلل في الأخوة فالمصيبة حينئذ في الإيمان، ولا بد من مراجعته. ويبني صلى الله عليه وسلم المسجد، ويؤسس لعلاقة مع غير المسلمين تحفظ الحقوق وتفتح آفاقا من التعاون فيما بينهم، تؤسس لمفهوم المواطَنة، ويؤسس عليه الصلاة والسلام السوقَ ليعتمد المسلمون على أنفسهم ولا يكونوا عالة على غيرهم، وهذه تؤكد المفهوم الصحيح لنظرة المسلم إلى هذه الدنيا، فقد أمرنا الله تعالى بعمارة الأرض، وأخذ أسباب القوة، وأن يحاط هذا كله بمنهج الرحمة والهداية، فالإسلام دين الرحمة: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
ما أجمل أن يستغل كل مسلم ذكرى ميلاد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في سؤال نفسه سؤالا عن مدى التزامه بتوجيهات نبينا عليه الصلاة والسلام، أو أن يتخيله أمامه يتحدث إليه: فما الحوار الذي يتمناه معه؟ وما مدى الدافعية التي يملكها من أجل الوفاء بحقه صلى الله عليه وسلم؟ كلنا يزعم حبه نظريا وادعاء، ولكن يجب أن نفهم أن الحب اتباع لا ادعاء، وصدق الله العظيم: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم، والله غفور رحيم. قل أطيعوا الله والرسول، فإن تولوْا فإن الله لا يحب الكافرين"، فالحديث عن الحب في الآية واضح أنه اتباع، وجاءت الآية بعدها لتتحدث عن الطاعة، فالاتباع يكون بطاعة الله ورسوله، وهي أمور لا بد أن نُلزِم أنفسنا بها، لا أن يكون الهوى والطيش هو موجِّهنا، والأنكى من ذلك أن يكون أعداؤنا هم من يوجهونا!!
لنصنع من ذكرى ميلاد نبينا صلى الله عليه وسلم موعظة نتبادلها على الأقل في حقه علينا، صلى الله عليه وسلم، في استشعار الآخرة والموقف العظيم بين يدي الله تعالى والحساب، من الذي اتبع وأخلص وصدق؟ ومن الذي استهزأ والتهى ولعب وتمنى على الله الأماني؟ نريد وقفة جادة مع النفس في تحمل مسؤولياتنا، تجاه ديننا وأمتنا، فالله تعالى لم يتركنا بلا منهج، ولم يتركنا عالة على غيرنا حتى نتشتت ونعيش هذا الضياع، فهو الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا، وهو الذي ضمن لنا عدم الضلال إن تمسكنا بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
نريد –في ذكرى ميلاده- ثقة بالله تعالى، وبهذا الدين، وبأنفسنا أننا نستطيع عمل المستحيل، وإن سعينا لأسباب العزة فلا بد أن الله تعالى سيعيننا ويمهّد كل الوسائل لذلك، فشتان بين من يبقى عاجزا في مكانه لا يحرّك ساكنا، ويدعو الله تعالى ويتمنى، وبين من يأخذ بالأسباب ويسعى، فالأول لا يمكن أن يجري على يديه أي خير، والثاني بمجرد أن يسير ولو خطوة واحدة، فنتوقع من الله تعالى الكثير، إن كان الإخلاص والصدق وحسن الاتباع للمنهج.
صلى عليك الله يا سيدنا وحبيبنا وقدوتنا، اللهم لا تحرمنا من صحبته وشفاعته، واجعلنا ممن رضيت عنهم ووفقتهم لرفع راية دينك.

التعليق