التنوير.. مآلات الحراكات الثقافية العربية (2 - 2)

تم نشره في الجمعة 1 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

معاذ بني عامر

إذاً –استكمالاً للطرح الذي طرحته في المقالة السابقة- كان الإنجاز الأكبر للعقول الفردية التي تواجدت في القرن التاسع عشر في العالم العربي، تفعيل ناموس العقل ونقله من طور الثبات الذي سيطر عليه لقرونٍ طويلة إلى طور الحركة والدفقات المُتتالية. لكن –كما أسلفت أيضاً- بقي هذا التفعيل محصوراً في بعض الأفراد، لكن مع بداية القرن العشرين سيختلف الوضع قليلاً، إذ بدأ الحراك الثقافي يتمدد أفقياً من خلال اتساع الرقعة التي تتحرك عليها السجالات المعرفية في بُعدها التنويري. لكن قبل أن أشير إلى مفاصل هذا التطوّر، وانتقاله تدريجياً من مرحلة العقول الفردية إلى سياقات الوعي الجمعي، أؤكّد أن سؤال التنوير في بُعده العملاتي كما في بعده النظري قد انطبع بطابعٍ ديني إلى حدّ كبير، إذ عُزي سبب تخلفنا في كثير من الأحيان إلى سياقات التدين التقليدي التي حطّمت إمكان العقل العربي وأحالته إلى مصفوفة تاريخية غير قابلة للزحزحة.
وسينعكس هذا التوجّه على مجمل الحراك الثقافي اللاحق كما سنلاحظ تباعاً، فقد كان الشروع في هذا السجال الجمعي عقب صدور كتاب (في الأدب الجاهلي) لـ "طه حسين"، سجالاً أدبياً في الظاهر ودينياً في الأعماق. فالأداة النقدية التي استخدمها "طه حسين" كان يمكن أن تستخدم ضدّ نصوص دينية أيضاً، لها صفة القداسة، بما منح الكتاب حضوراً أكبر في دائرة النقاشات، التي ستمتد أيضاً عقب صدور كتاب (الإسلام وأصول الحكم) لـ "علي عبد الرزاق"، وستأخذ طابعاً دينياً أيضاً، إذ بدأ يقرّ في الوعي الجمعي أن سيرورة التنوير ينبغي لها أن لا تمرّ على المُدونة الدينية مروراً عابراً فحسب، بل وتُعمل –أيضاً- مبضع العقل في هاتِهِ المدونة وتفكيك منظومتها، بما يتواءم مع مقتضيات العقل الآني ومواضعاته المعرفية.
بالتقادم، ستتوسع الدائرة أكثر، رغم ما أحاط بالحراكات الثقافية من عمليات شدّ ناحية الخلف، فقد اعتبر الإنجاز (تفعيل العقل وإعادة الاعتبار لناموسه) الذي أنجزه رواد القرن التاسع عشر، عملاً مضاداً لروح الأمة، وسيتجلّى هذا الشعور الرفضي تجلّيه الوجدانـي يوم أن عمل "مصطفى كمال أتاتورك" على تحديث الدولة العثمانية وإلحاقها بركب الحضارة الجديدة. إذ شعر الناس أن الغطاء قد كُشف عنهم –رغم المهانة التي لحقت حيواتهم وأرواحهم على مدار أربعة قرون- فأصبحوا في العراء مباشرة، لذا تمت مهاجمة أتباع دُعاة التنوير، وصار كل من يصدر كتاباً لا ينسجم مع روح الأمة المفترضة تطاله يد العقاب، سواء أكان هذا العقاب مادياً أم معنوياً.
لكن هذا لم يقف عائقاً أمام مزيد من الأطروحات التي تستبصر التعالقات بين المعرفي والديني، بل زادت الرقعة الأفقية التي تتحرّك عليها مثل هذه السجالات، إلى أن أخذت تتعاقب الإصدارات التي ساهمت –لا أروم تقديم نقد لهذه المساهمات هنا، بقدر ما أقصد التأشير عليها وتأثيرها على الوعي الجمعي العربي- في تفعيل دور العقل، وعدم الركون إلى ما هو مُتداول بصيغته التسليمية. وسيكون لرواية (أولاد حارتنا) مفعولاً كبيراً في هذا المجال، لما انطوت عليه من رؤية يمكن لأحد تأويلاتها أن ينسف مُسلّمات دينية كبيرة في الواقع العربي. كذا الأمر بالنسبة لكتاب (نقد الفكر الديني) لـ "صادق جلال العظم". ولربما كان للتداعيات التي نجمت عن رواية نجيب محفوظ وكتاب صادق جلال العظم، لناحية الضجّة التي رافقت –من جهة- صدور فصول رواية نجيب محفوظ، والضغوط التي مارسها التيار الإسلامي لإيقاف نشر هذه الرواية، وتجلّى في وقت لاحق بعمل دموي كاد أن يقضي على نجيب محفوظ إذ تعرّض إلى طعنة بسكين على يد أحد المتعصبين. والضجّة –من جهة ثانية- التي رافقت المحاكمة التي تعرّض لها صادق جلال العظم، بناء على دعوة رفعت بحقّه استندت إلى ما يمكن أن يدينه من خلال كتابه، لناحية عدم تقديسه لبعض الثوابت الإسلامية.
كان لهذه التداعيات وغيرها (1 - السجال بين محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي. 2 - تكفير نصر حامد أبو زيد. 3 - إعدام محمود محمد طه...الخ) الدور الكبير في توسيع رقعة الخطاب التنويري وانتقاله من إطاره الفردي إلى سياقاته الجمعية، فلم يعد من السهولة إقناع الناس بما هو سائد، لناحية حفظه لروح الأمة وقيمتها الوجودية، حتى وإن ظهرت على السطح بوادر تديّن ستتخذ طابعاً عنيفاً في بعض الأحيان، كما حدث في حادثة الجهيمان في الممكلة العربية السعودية أواخر العقد السابع من القرن الماضي، والشعور التعاطفي –على أسس دينية، ستتغيّر لاحقاً- مع ثورة الخميني وتأسيس ما عرف لاحقاً بالجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكما حدث أيضاً مع الحركات التكفيرية في بعض الأقطار العربية في تسعينيات القرن الماضي، وكما يحدث اليوم مع كثير من الحركات الجهادية.
قد يبدو ذلك باعثاً على اليأس والقنوط، لكن ثمة ماء يجري في الأعماق، شبيه بالماء الذي تحدثت عنه الحكمة البوذية، ساعة أشار أحدهم على الآخر أن يكون مثل الماء؛ رقراقاً في الجدول، لكنه قادر على زحزحة الجبال الراسيات.
ما يحدث اليوم من حراك تنويري يمتد في جميع بقاع العالم العربي وتشارك به قطاعات واسعة من الشعب العربي، سواء في الواقع أو في العالم الافتراضي، لم يكن وليد اللحظة. كما الرسوخ اليقيني بمحاربة فعل التنوير بصفته فعل سيرورة بالأساس، على اعتبار أن أي زحزحة لثوابت الأمة سيجرّ عليها الويل والثبور، لم يكن وليد اللحظة هو الآخر.
بالعودة خطوة إلى الخلف، لقد انعتق فعل التنوير من حالة الحبس التي طالت لقرون طويلة، يوم أن امتدت عقول بعض الأفراد إلى ثوابت وخلخلت بنيتها، وإذا شئنا استخدام لغة التشبيهات الأدبية، فقد كانت تلك العقول الفردية بمثابة قطرات الماء الوحيدة. لاحقاً كثرت هذه القطرات، وبالتقادم تحوّلت هذه القطرات إلى جدول رقراق، وما نشهده اليوم هو تحوّل جذري في عنصر الماء التنويري، لناحية انتقاله من مرحلة الجدول الرقراق إلى مرحلة زحزحة الجبال الراسيات، وإن ظهر للعيان ضغطاً كبيراً وهائلاً من الجهة المقابلة. ففعل التنوير لا يُشكّل اليوم ترفاً لدى بعض الأفراد المشغولين بهواجس التحديث والتطوير، بل أصبح هاجساً قوياً وفاعلاً لدى قطاعات واسعة في العالم العربي، بما يجعل منه سلوكاً ممارساً في مختلف مسلكياتنا الحياتية، سواء وعينا ذلك أم لم نعه، وسواء أكانت لدينا القدرة على رصده أم لا، ليس لاستعصائه، بل لتجاوزه لقدراتنا الفردية، لناحية أنه فعل جمعي ورصده وتتبّع مساراته بحاجةٍ إلى مؤسسات بحثية كبرى. والذكي اليوم هو من يبادر إلى لملمة هذه الجهود المبعثرة، والعمل على تأطيرها ومنحها أفقاً أوسع لكي تتحرّك فيه مثل هذه الحيوات القلقة، فالإمكان التغييري الذي تنطوي عليه إمكان هائل، سيعمل على تغيير البنى القائمة، حتى وإن ركنت قياداتها إلى ما هو قائم باعتباره خلاصاً آنياً ومستقبلياً.

التعليق