إبراهيم غرايبة

المدن والمجتمعات الشبكية: ما نحن إلا آحاد وأصفار

تم نشره في السبت 2 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:09 صباحاً

عندما تتحول الأسواق والأعمال والمؤسسات إلى الشبكة، فيكون التعليم والعمل والبيع والشراء "أون لاين" فإن المدن والأفراد والمجتمعات تتحول أيضا إلى أصفار وآحاد، .. ويبدو أن الإنسان كائن معلوماتي، وربما يكون جيلنا الحاضر شاهدا على نهايات كثيرة في المؤسسات والموارد والأعمال والمدن والإقامة والتخطيط والتفكير.
كان المال هو الأرض والخيل والإبل والغنم والبقر، ثم صار الذهب والفضة، وكان فلاسفة وحكماء لا يعدون الذهب والفضة من المال، يقولون إذا أخذت منهما ينفدان واذا تركتهما لا يزيدان، ثم صار المال هو الأوراق المالية، الدنانير والدولارات، ثم صار شيكات بنكية، واليوم فإن المال آحاد وأصفار، ومضات الكترونية وبطاقة بلاستيكية، .. ما ثرواتنا سوى رقم سري وشريحة!
وغدا سوف نكون نحن أيضا شريحة تزرع في مكان في أجسامنا فتعرفنا الشرطة والبنوك والمؤسسات والمكاتب، .. وبيوتنا أيضا لن نستطيع دخولها الا بهذه الشريحة فإن فُقدت او تلفت نتحول الى لا شيء! .. ويمكن بهذه الشريحة ان تحول نفسك بالفعل الى آحاد واصفار فتسافر بالايميل الى حيث تريد او تحتاج ثم تستعيد نفسك .. وقد نفضل ان نبقى أصفارا وآحادا ولا نعود الى اجسادنا، ربما كان الموتى رموزا الكترونية فإن تعرفنا عليها نستعيدها ونتواصل معها.. ويا دار ما دخلك شرّ.
إن مدننا ومؤسساتنا القائمة من بنوك ومدارس وجامعات وبيوت وأسواق تنتمي إلى العصور الوسطى، لم تكن الثورة الصناعية والرأسمالية التي سادت في القرن السابع عشر سوى إعادة إنتاج للعصور الوسطى، لكننا اليوم في عصر المعرفة والمعلومات والشبكية لم نعد ننتمي أو قادرين على الانتماء إلى هذه المدن والمؤسسات، ومؤكد أن الجيل القادم سوف يتمرد عليها إن بقيت.
لقد نشأت المدن لضرورات سياسية، ثم أنشأ الحكام المهيمنون على المدينة تحالفات مع التجار والكهنة، لتسيير المجتمعات وإخضاعها، .. ومايزال هذا التحالف يقود الدول والمجتمعات، وإن تعرض لتحديات كبرى في التحولات الرأسمالية والصناعية.
يرصد لويس ممفورد (كتاب المدينة عبر العصور) كيف صعد الهيكل كقوة اجتماعية اقتصادية وأمنية في تنظيم المدن، فقد كان للمؤسسة الدينية فضل على أنها جزء غير قليل من المدن تؤدي دورا تعليميا وترعى الجامعات والمدارس والفنون والموسيقى والعلاج والمستشفيات والزراعة والصناعات الغذائية والحرف والصناعات والعناية بالفقراء والمحرومين، .. في أوروبا لم تنفصل هذه المؤسسات الحضرية عن الكنيسة. وبعد الكنيسة كانت النقابات هي أوسع ممثلي الحياة الاجتماعية انتشارا وتأثيرا، وهكذا جمعت مدينة العصور الوسطى بين القاعدتين الأساسيتين للزمالة، وهما: العمل المشترك والعقيدة المشتركة، .. وما تزال المدن والمجتمعات المعاصرة تنظمها الأعمال والعقائد المشتركة.
وفي تراكم الثراء وصعود الأثرياء مع نمو حركة التجارة والصناعة ظهرت الفروق بين الطبقات، وتشكلت طبقات تورث المراكز مع الثراء، لكن قوتها لم تمنع اتصافها بالتهذيب وآداب السلوك واللهجة المميزة في النطق، وتشكلت الجامعات في تطور للنقابات فقد كان هدفها الإعداد لمزاولة المهن وتنظيم القواعد التي بموجبها يؤدي اعضاء النقابات أعمالهم، وإن شملت في عملها الفلسفة واللاهوت والدراسات العامة والآداب، والحال أن الدراسات الإنسانية بدأت في الظهور في كليات عصر النهضة بمثابة تطعيم للشجرة الأصلية على يد الطبقات الأرستقراطية والنبيلة.
وفي داخل هذه النظام الاقتصادي الاجتماعي حدثت تغييرات عميقة في الوجدان، وفي الولع المفرط بالجمال الفني؛ وما اقترن به من الإسراف في الزخارف، وهي ظاهرة تروي لنا قصة أخرى، قصة تضاؤل الإيمان وازدياد الانهماك في بهرج الحياة اليومية، أو الإفراط في التكفير عن ذلك بالحرمان والتقشف. وعندما تصدعت وحدة النظام الاجتماعي امتد الخلل إلى كل المجالات، حتى المؤسسة الدينية العظيمة ذاتها غدت فئة تثير النزاع وتنشد النفوذ والسلطان، وأمست المؤسسة الدينية ساحة للنضال بين الثقافات المتضاربة واساليب الحياة المتباينة.

التعليق