علاء الدين أبو زينة

علاقة مختلة بين الدخل والمصاريف..!

تم نشره في الأحد 3 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:08 صباحاً

في السبعينيات، عندما كان معدل دخل العامل والموظف بين 120إلى 160 ديناراً، كان إيجار البيت المكون من غرفتين في شرق عمان 5 إلى 10 دنانير في المعدل. واليوم، عندما أصبح معدل الدخل الذي يُقاس عليه 500 دينار، أصبح إيجار البيت نفسه ما بين 100 إلى 200 دينار وربما أكثر، حسب المنطقة. أي أن نسبة أجرة البيت إلى الراتب تضاعفت بجنون بحيث أصبحت تستهلك الآن خُمس الراتب على الأقل، بينما كانت بحدود 1 إلى 15.
ينطبق الأمر نفسه بدرجات متفاوتة على العلاقة بين الأسعار ودخول الأردنيين العاديين. وعلى سبيل المثال، كان ثمن تذكرة السينما من ربع إلى نصف دينار، وأصبح 5 دنانير إلى 15 ديناراً. وارتفع ثمن شطيرة الفلافل من 5 قروش إلى 60 أو 75 قرشاً... وهكذا. ولو كانت العلاقة طردية بين أسعار السلع والدخول، فإن معدل الدخل الذي كان 150 ديناراً في السبعينيات، مضروباً في 15، (بالقياس على إيجار البيت وثمن شطيرة الفلافل) يجب أن يكون نحو 225 ديناراً لمواكبة ارتفاع المصاريف.
لا أعرف كيف يحسِب الاقتصاديون هذه النسب بطريقة أكثر عِلمية، لكن المواطن العادي يحسبها غالباً بهذه الطريقة المحسوسة. ولذلك يقول الكثيرون إن حياتهم في السابق، عندما كان راتب الوالد صغيراً، كانت أفضل وأقل ثِقلاً بكثير مما هي عليه اليوم. وبطبيعة الحال، لا بد أن تتعقد متطلبات الحياة خلال أربعة عقود، لكن حصيلة التطورات سلبت الناس بقايا الهدوء وراحة البال. وهو ثمن باهظ في حقيقة الأمر.
مع الأخبار الجديدة عن ارتفاع أسعار الوقود هذا الشهر مع قدوم هجمة البرد الشتائي، وارتفاع أسعار الكهرباء المقبل، ورفع الدعم عن الخبز، وإضافة سلع كانت تُعتبر أساسية ومعفاة إلى قائمة ضريبة المبيعات، وربما اشتمال شرائح أخرى ضعيفة الدخل أصلاً إلى دافعي ضريبة الدخل، تصبح العلاقة المختلة أصلاً أكثر اختلالاً بين الدخول والمصاريف. وإذا كان معدل الدخل المُتصوّر قد ارتفع من 150 إلى 500 تقريباً في أربعة عقود، فإن الدخول تعاني بوضوح من ركود كبير. يُضاف إلى ذلك توقف كثير من المؤسسات عن تزويد موظفيها بالزيادات السنوية تذرعاً بالأزمة الاقتصادية. ويضاف إليه أيضاً تسريح العاملين، والبطالة المرتفعة بين الشباب، لتتضح فداحة الاختلال بين دخول الأسر ومصاريفها.
لا شك أن ارتفاع أسعار السلع والخدمات ليس شأناً محلياً. ففي الدول الغنية أيضاً، لا بد أن يكون سعر الشطيرة قد ارتفع أضعافاً. لكن تساوي سعر وجبة "الهامبرغر" بين الأردن ودولة خليجية مثلاً، يقابله ارتفاع هائل في دخل مواطن تلك الدولة مقارنة بالزحف البطيء لدخل الأردني العادي. وفي المجمل، وبالقياس على العلاقة بين الدخل والمصروف في أربعة عقود، فإن الانطباع هو أننا في مسار تراجعي حين يتعلق الأمر بالرفاه –ربما باستثناء فترة ما يسمى "طفرة النفط" التي شطبت السنوات التالية تأثيرها.
وهناك أمور أخرى انعكس اتجاهها أيضاً. فبعد أن كانت الخدمات العامة والبنية التحتية تتحرك أماماً، فإنها أصبحت راكدة أو في تراجع أيضاً. ويمكن أن يلمس المواطن ذلك من نوعية إسفلت الشارع وسعته، إلى النظافة العامة، إلى نوعية الفواكه والخضراوات المعروضة في السوق، إلى النقل إلى تعثر المشاريع الكبيرة. كما رافق ذلك تراجع في التعليم، والسلوك الاجتماعي وصعود اتجاهات العنف والجريمة والتطرف.
بطبيعة الحال، لا يُمكن إنكار العوامل الموضوعية في ضعف الاقتصاد ونتائجه، مثل ندرة الموارد الطبيعية الثمينة والأزمات الإقليمية والمشاكل المالية العالمية. لكنّ هناك إحساساً أيضاً بغياب الإبداع في استثمار الموارد المتاحة بما هي وتطوير مصادر دخل وطني جديدة. لم يتطور اتجاه مؤسسي واضح للتخلص من الاعتمادية على المساعدات الخارجية واستبدالها باعتمادية ذاتية. ولا يمكن أن يكون هناك مبرر لتراجع التعليم، على سبيل المثال، الذي شكل الرافعة الأساسية الواعدة في حلمنا الوطني. وقِس على ذلك!
من المؤكد أن الناس يشعرون بحتمية التضامن مع أنفسهم وبلدهم لتجاوز المرحلة الصعبة. لكنهم في حاجة أيضاً إلى أن يروا ضوءاً في نهاية النفق، وأن يتعللوا بتغير وشيك في الوجهات. لكنَّ ما يسمعونه هو المزيد من الضغط على دخولهم المتآكلة في السنوات القادمة فقط، وبلا حديث عن أن ذلك سيكون مؤقتاً!

التعليق