د.باسم الطويسي

ثورة ثقافية: معنى جديد للنجاح

تم نشره في الاثنين 4 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:06 صباحاً

قيل إن العمل أهم اختراع للبشرية؛ حينما أعطى معنى جديدا لحياة البشر، وأضفى عليها قيمة مختلفة، ثم قيل إن تقسيم العمل شكل أهم تطور في تاريخ الاقتصاد حينما وفر لأول مرة إعادة تنظيم المجتمعات، وقاد إلى تطور المعرفة والعلوم والتعليم، كل تلك المحطات المرتبطة بمدد تاريخية طويلة كانت في كل مرة تعيد إنتاج مفهوم النجاح في حياة الأفراد والجماعات، ومنذ قرون طويلة ارتبط العمل بالتعليم، وتجلى هذا الأمر في القرن العشرين الماضي حيث شكل التعليم من أجل العمل محركا أساسيا من محركات التغير الاجتماعي والثقافي الكبرى.
اليوم يقال إن العمل يشهد تغيرات كبرى في العالم، ومقبل على انقلابات هائلة في النصف الثاني من القرن الحالي، ومن التوقعات أن شكل العمل وأهدافه وطرائقه سوف تتغير تماما مع نهاية القرن، الأمر يتجاوز قوائم المهن المنقرضة والمهن التي في طريقها للانقراض، بل يصل الأمر لدى بعضهم أن العمل كما عرفناه عبر التاريخ في طريقه إلى الزوال، كيف سيكون شكل الاقتصاد بعد قرن؟ وما هي مصادر ثروات الأمم الجديدة والقديمة؟ والأهم ماذا عن التعليم؟ هل سيبقى من أجل العمل.. وأي عمل؟ وما معنى النجاح للأفراد والجماعات؟
الأمم المتحدة والعديد من الهيئات الدولية انتبهت لهذه التحولات مبكرا، فحددت للتعليم في القرن الجديد أربعة أهداف أو دعائم، هي: التعلّم من أجل المعرفة، والتعلّم من أجل العمل، والتعلّم من أجل البقاء، والتعلّم من أجل العيش معاًـ حيث يبدو من هذه الاهداف ان ثمة قلقا جديدا حول البقاء وحول العيش معا، وهي مفاتيح جديدة للنجاح قد تتجاوز نشر المعرفة التقليدية وقد تتجاوز التعليم من أجل العمل وخلق مجتمعات الوفرة.
وفي الوقت الذي تتفاقم فيه أزمة نظم التعليم في المجتمعات الأكثر إنتاجا للعاطلين عن العمل، تزداد تأثيرات التكنولوجيا والعولمة والتحذيرات من نهاية مئات المهن. في العام 1995، نشر عالم الاقتصاد الشهير جيرمي ريفكين كتابه، الذي شكل صدمة للعالم، وأسماه "نهاية العمل"، وأشار فيه إلى أن التقنية الجديدة والعولمة وتحولات الاقتصاد، سوف تقود إلى انقراض المهن، وأطلق على ذلك "حقبة ما بعد السوق"، واليوم تنشط مراكز البحوث ومواقع التوظيف والمهن بإعداد قوائم سنوية للمهن، والوظائف المهددة بالانقراض، في المقابل أوجدت معايير للنجاح، تختلف أحيانا عن المعايير التقليدية، ووفر التطور التكنولوجي واقتصاد المعرفة مهنا جديدة، لكنها مهن ذات طاقة استيعابية محدودة، وتحتاج مؤهلات نوعية.
تتمايز معايير النجاح في العمل، والحياة بين مجتمع وآخر، وبين ثقافة وأخرى، رغم وجود معايير مشتركة بين مختلف الثقافات، لعل أهمها الدخل والمكانة الاجتماعية والسلطة، في حين نجد التمايز بين الثقافات واضحا في تقدير معايير النجاح، وتعكس حالة المجتمع بين التقليدية والحداثة وجها آخر للتمايز، على سبيل المثال هناك مجتمعات تنظر بفوقية للعمل اليدوي، ولا تقدر مكاسبه، وإن وفر دخلا مجديا، هل سيعود العمل اليدوي من جديد؟ وهناك مجتمعات ما تزال تضفي قدرا من الاحترام على العمل الوظيفي الحكومي، أكثر من العمل في القطاع الخاص، حيث تعود هذه النظرة إلى سياسات التعليم والتدريب، التي هدفت في العديد من بلدان العالم النامي إلى تخريج أفواج من الخريجين، لتوظيفهم في الحكومة والقطاع العام، في الوقت الذي يتجه في العالم إلى حكومات أقل وزنا وحضورا وأكثر رشاقة وحركة. وهنا تبرز واحدة من أوسع الفجوات التي تواجه تطوير ثقافة النجاح وسط الشباب في مجتمعاتنا العربية، فالنظم التعليمية وثقافة العمل وقيمه لا تشجع الشباب على اكتساب قدرات ومهارات تؤهلهم للإقدام على العمل الحر الخاص، رغم أن من يعمل لحسابه، وينتج سلعة أو خدمة يتنافس في تقديمها وتسويقها للآخرين، يتولد لديه حافز المثابرة والتطلع دوما للأمام نحو المزيد من النجاح.
عالم ما بعد العمل التقليدي الذي بدأ العالم يدخله، سيزيد من تعقيد صورة المستقبل لدى الشباب العربي؛ إذ سنكتشف أننا لم نكن متطرفين في تفسيرنا للدين والمعتقدات، ولا في السياسة والأيديولوجيات، فحسب، بل الذي لا يقل خطورة أننا تطرفنا حتى النخاع في الاقتصاد، وربما أكثر من أشياء أخرى.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ثوره ثقافيه؟؟؟ (يوسف صافي)

    الاثنين 4 كانون الأول / ديسمبر 2017.
    شرحت وأبدعت وماذيلّت به مقالك "بعد ان تطرفنا حتى النخاع في الإقتصاد " كما حال العالم حيث نجحت المنظومه العالميه (صنّاع القرار لوبي المال والنفط والسلاح الصهيوني ) وفق سياستهم الدفينه والممنهجه وبرتوتكول رقم 4 وفق المنشور اقتبس النص "بتر العلاقه ما بين المخلوق وخالقه (الدين) وإستبدالها بالحسابات الماديه والهوى المصلحي الرغائبي" وبالخصوص بين حملة الديانتين (المسيحيه وإلاسلاميه)؟؟؟؟؟ وحقا لسنا متطرفين في الدين والمعتقدات والأيديولجيات بل دفاعا من أجل العداله مابين البشر البعيده عن الهوى المادي والمصلحي الرغائبي والتي ناظمها علاقة الإنسان مع أخيه الإنسان المبنيه على علاقتهما مع الخالق (التقوى )؟؟؟