لماذا ينبغي تحديث الحرف اليدوية التقليدية؟

تم نشره في الأربعاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً

ترجمة: ينال أبو زينة

عمان- كان الرياضياتي كارل بيرسون كتب في المجلد الثالث من حياة ورسائل فرانسيس غاليتون (1930): "إنها التجربة القديمة التي تقول أن أداةً حقيرة في يد حرفي بارع تحقق أكثر من أفضل الأدوات في يد رجل غير ملهم".
وتعتبر هذه المقولة أسمى شأناً في أيامنا هذه، بالنظر إلى تجدد الرومانسية في مهارات الحرفيين التقليديين والنقاشات الكثيرة حول دعم أشكال الحرف التراثية، ومع ذلك، فإن الطريق الذي نسلكه يبدو مثل لحن قديم نحاول بعثه من جديد في آلة موسيقية صدئة.
واليوم، هناك شهية كبيرة لابتياع أعمال الحرفيين في المدن الكبرى، والافتراض الجوهري هنا هو أن الأعمال المصنعة يدوياً بمهارة وجمال تنتظر أن تدور بتأنٍ على العملاء المتحمسين إليها.
ويتعلق جانب آخر من المسألة بالقدرة التنافسية من حيث التكلفة، ورغم أن هذين الجانبين يبدوان منطقيين، لكننا عندما نتبعهما نكون بذلك نأخذ الحرفي من مهارته اليدوية إلى عالم الماكينات المعقد. وبالتالي ندفع لا محالة بالمهارات اليدوية التقليدية إلى الفناء والنسيان.
ومن أجل إحياء الأعمال الحرفية بشكل مستدام واستعادة مجد الحرفيين، فنحن نحتاج إلى أخذ العبر من تاريخنا القديم نفسه، وبواقع الحال، كانت شبه القارة الهندية –قبل الحكم البريطاني- جزءاً مزدهراً مجيداً من العالم بسبب نوعية المنتجات التي كانت تبيعها ليس فقط في الهند وإنما في أنحاء العالم قاطبة. وكان الشراؤون على استعداد لشراء هذه المنتجات بالذهب. وكمثال صريح على ذلك "الموسلن"، النسيج الجيد من البنغال.
وتشير السجلات الرسمية إلى أنه في وقت من الأوقات، استأثرت البنغال تقريباً بنصف صادرات "الشركة الشرق هندية"، وكانت المنسوجات –ومعظمها من الموسلن- تشكل قرابة 80 % من هذه الصادرات. وبسبب الهوس بـ"الموسلن" شوهت بريطانيا أيدي النساجين البنغال لقمع إنتاج "الموسلن" وتعزيز صناعة النسيج في أراضيها.
وهذا يعطينا درساً في غاية الأهمية: سوف يدفع العملاء من جميع أنحاء العالم بسخاء مقابل هذه المنتجات، ليس بسبب جاذبيتها الغربية، وإنما لأنها تعد بالراحة والأناقة.
لطالما كانت الحرف التقليدية موجهة إلى هؤلاء الذي يمكنهم أن يقدروا المصنعات الأفضل: أولئك الذين يسعون خلف تجربة منتج متفوقة، والمستعدون لدفع الثمن الأعلى للحصول عليها. وهذا عادة ما يعني طبقة الملوك والنبلاء، في ضوء أن الآخرين لا يستطيعون تحمل هذا الإسراف الضخم.
وعقب انتهاء عهد الملوك، وجد الحرفيون أنفسهم بعد قرنين من القمع بلا خيار سوى إعادة تنظيم مهاراتهم لتلبية احتياجات العملاء المحليين. ومن أجل القيام بذلك، كان هناك جهد واعٍ لضرورة عرض المنتج بأسعار معقولة، وتراجعت الجودة في ظل ذلك، في حين أصبحت الحرف اليدوية ترتبط أكثر بالمنتجات الضعيفة والرخيصة.
ومع ذلك، بقيت هناك القليل من الحرف التي احتفظت برابط الدم مع الحرفية التقليدية بفضل المرونة الثقافية التي تتمتع بها بلادنا. ويذهب كامل الفضل إلى نسائنا اللواتي لبسن تراثنا باعتزاز وشرف في أكثر البيئات الاجتماعية تطوراً في جميع أنحاء العالم. ومن أجل تقدير ذلك على نحو أفضل، دعونا نلقي نظرة على ما يحدث في العالم حولنا. إن سوق المنتجات الفخمة تزدهر. وقد ظهرت أتاوات جديدة: متطرفو الثراء الذين ينفقون على هذه المنتجات لأنهم ببساطة يستطيعون ذلك. 
وهم يسعون باستمرار خلف المنتجات الفاخرة بغية إرضاء تعطشهم لتعبيرات مادية لا تنتهي.
وكانت النتيجة، وفقاً لـدراسة قامت عليها "ديلويت" بعنوان "القوى العالمية للسلع الفاخرة 2017"، أن المراتب المائة الأولى للعلامات التجارية الفاخرة استأثرت بمبلغ 212 مليار دولار للعام المنتهي في 30 حزيران (يونيو) 2016، وهي تنمو لتقارب نسبة الـ7 % سنوياً.
إذاً، ما هي خصائص المنتجات الفاخرة التي تجعلها مرغوبة جداً؟ بصرف النظر عن الرابط التاريخي ببعض العلامات التجارية الشهيرة، فهي توفر للعملاء منتجات وتجارب وفقاً لمعاييرهم الشخصية، والتي تكون في العديد من الحالات مصنعة يدوياً. وهذا ينطوي على استخدام مواد ومهارات نادرة، ما يعطي هذه المنتجات جودة مغرية. ويعتبر الاهتمام بأدق التفاصيل جزءاً من الوعد التي تعد به مثل هذه المنتجات والمنتجين خلفها.
ومن المفارقات أن هذه العلامات التجارية التي كانت في وقت من الأوقات تعتمد كلياً على الصناعة اليدوية أصبحت تصنع في بكميات كبيرة في مصانع في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، ما تزال الرغبة في صنع منتج متميز للعميل قوية لدى هذه العلامات التجارية. وهذا أمر ممكن، فالرومانسية العائدة إلى الحرف التراثية التقليدية ومدى مواءمتها للعصر الحديث جذابة للغاية.
وبالنسبة لنا، كمجتمع، فإنه من الضروري أن نبني هذا الجسر للحرفيين حتى يستعيدوا كرامتهم وشغفهم بالمهارات التي أصبحت نوعاً ما محفوفة بالمخاطر، وليست هذه مهمة سهلة في الحقيقة. فهي تعني إعادة الجودة الرفيعة والحرفية إلى التقليد. وعلى بعثة "المهارة" الهندية أن تجعل من هذا الأمر أولوية لديها. فهذه هي ثروتنا الحقيقية.
قبل عشرة سنوات تقريباً، عندما بدأت العمل في الحرف التقليدية، كانت لدي وجهة نظر مماثلة للعمل مع الحرفيين من أجل خلق المنتجات الأكثر ملاءمة للبيئة الفورية. ومع ذلك، بعد أن عملت عبر 32 مجموعة حرفية مختلفة وتطوير مهارات أكثر من 20 ألف حرفي، أجد الآن أن المنتجات التي قمنا بصنعها تلقى اهتماماً ضخماً لدى العلامات التجارية العالمية الفاخرة.
لقد حان الوقت لاستعادة مجد هؤلاء الحرفيين ذوي المهارات العالية، وقد حان وقت تكامل جهودنا لتوليد قيمة حقيقية لمهاراتنا التقليدية.

"إيكونوميك تايمز، كونال آر ساشديف"

التعليق