جهاد المنسي

حكاية منهل حمدان

تم نشره في الأربعاء 6 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:06 صباحاً

حكاية المواطن الاردني منهل حمدان الذي حررته قواتنا المسلحة الباسلة من ايدي مجموعة "زعران" في بساتين منطقة تل شهاب السورية بعد احتجاز دام 35 يوما، تختزل حكاية شعب سوري باكملة وجد نفسه فجأة تحت سيطرة حفنة متمردين مرتدين عن كل القيم الحضارية والانسانية والحقوقية والمدنية.
اولئك وجدوا ضالتهم في ظل ما تتعرض له الدولة السورية من مؤامرة كبرى، وتدفق شياطين الكون على الارض السورية لزعزعة استقرارها، وجدوها مناسبة لخطف المواطنين والتفاوض بفدية لاطلاق سراحهم، وصلت كما حال المحرر منهل حمدان الى ربع مليون دولار اميركي، بيد ان قواتنا الباسلة كانت اعجل منهم بكثير فحررته من ايدي قراصنة البر القتلة.
المنطقة الواقعة في ريف درعا الغربي حيث مكان خطف منهل تسيطر عليها جماعات خارجة على الدولة السورية امثال الجيش الحر، وجيش خالد بن الوليد، المندمج مع حركة المثنى الاسلامية وهما مبايعان لتنظيم داعش الارهابي، وهذا ان دل على شيء فانما يدلل على الفكر المتطرف الذي يتبناه اولئك القتلة والطريقة التي يتعاملون فيها مع الانسان، ورفضهم لفكرة الدولة والمؤسسات وتوجههم نحو شريعة الغاب، من يسمع لاصناف التعذيب التي تعرض لها منهل يتيقن ان اولئك لا يريدون دولة ولا مدنية وانما يبحثون عن جيب نفوذ يستطيعون من خلاله ممارسة هوايتهم في القتل والسلب.
قبل كنس داعش وزمرته واعوانه وداعميه من الارض السورية وبقاء اجزاء بسيطة تحت سيطرته في طريقه لفقدها قريبا، بتنا نلمس اكثر حجم المعاناة التي عاناها السوريون والعراقيون جراء وجود تلك الغمامة السوداء فوق رؤوسهم، ومعاناة الاسر والاهالي وترددهم في الخروج من البيت خوفا من عدم العودة اليه ثانية، وخوف النساء من السبي والرجال من القتل والاطفال من الوقوع في الاسر.
الحكاية لا تقف عند ريف درعا الغربي وحده وانما تتعداه الى ابعد من ذالك بكثير، فعندما اطلق التونسي احمد الحفناوي جملته الشهيرة (هرمنا) ايذانا بانطلاق ما اصطلح على تسميته (ربيع عربي)، حلم العرب معه بعدالة وحرية وديمقراطية واصلاح ونهوض وفكر مدني حر يحاكي افكار الدول المتحضرة، فوجئنا بان الحلم كان عبارة عن لحظة، وان سرقته كانت اسرع بكثير من الحلم نفسه، فوقعنا في فخ الحقيقة المرة التي ظهرت لاحقا وانبتت افكارا متطرفة وتقسيما ومذهبية وطائفية وجهوية وتفتيتا، وتآمرا، فعرفنا وقتها ان هذا الحلم كان اقرب للحمل الكاذب منه للحمل الحقيقي، وان هدفه الذي جاء باسم ربيع وخضرة وازدهار، وتفتح ورود، كانت حقيقته التي لم نلحظها في خضم ترديدنا مع التونسي الحفناوي (هرمنا.. هرمنا) خريفا تتساقط فيه اوراق الشجر وتجف بساتينه، وتذبل اغصانه، وتستباح عواصم من خلاله وتفتت جيوش.
ربيع العرب الوهمي لم نأخذ منه سوى كلمة هرمنا، ومن ثم بدأنا نرى غرابيب سودا تسرق مشهدنا وتحتل بيوتنا وارضنا واوطاننا وتقتل الاطفال وتسبي النساء وتبقر بطون الحوامل وتجز الرؤوس وتبيع النساء في سوق نخاسة، وتتاجر باعضاء الاطفال، وتحرق الاسرى.
اولئك المرتدون قتلوا حلمنا بحرية وعدالة وديمقراطية ودول مدنية متحضرة الولاء فيها للدولة والوطن والارض، ارادوا اعادتنا الاف السنين للوراء فبتنا بدل ان نحلم بنقلة حضارية للامام، نتمنى ان تعود الامور كما كانت سابقا، وان تسلم بغداد ودمشق والقاهرة كحواضن للامة، وان تعود العروبة هدفا شعبيا، وان تعود البوصلة تشير للقدس لتحريرها من ايدي الصهاينة المحتلين.
الحقيقة ان الربيع لم يكن ربيعا، والحلم كان كابوسا، اضعنا فيه يمننا فبات يعاني جراء القتل والتجويع وموت الاطفال، وقسمت من خلاله ليبيا التي اصبحت اقرب للدولة الفاشلة منها للدولة القابلة للحياة، وعدنا نسمع عن العبودية وسوق النخاسة والحسبة وغيرها من مصطلحات اندثرت من قاموسنا قبل مئات السنين.

التعليق