لماذا تقليل عدد الضحايا المدنيين في الحرب على الإرهاب؟

تم نشره في الخميس 7 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • رسم غرافيكي على حائط في اليمن احتجاجاً على ضربات الطائرات المسيرة الأميركية التي تقتل مدنيين - (أرشيفية)

بول بيلار* - (ذا ناشيونال إنترست) 19/11/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

خلال "الحرب على الإرهاب"، قللت الحكومة الأميركية عدد المدنيين الذين قتلوا في العمليات العسكرية، (كل ذلك من أجل مراعاة شعور الجماهير في الوطن). لكن تقريراً جديداً يكشف الحقيقة.
*  *  *
حسناً يفعل أي شخص يفكر بحصافة وبطريقة نقدية في استخدام القوة المسلحة ضد هدف مثل "داعش"، إذا هو قرأ المقالة التي كُتبت بناء على بحث كثيف، والتي نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" للصحفية الاستقصائية عظمات خان، والأستاذ في جامعة أريزونا، أناند غوبال، عن الخسائر المدنية التي أوقعتها الحرب الجوية لطائرات الائتلاف بقيادة الولايات المتحدة في العراق. والاستنتاج الرئيسي هو أن تلك الخسائر كانت أعلى بكثير -ربما أعلى بالكثير من المرات- من العدد الذي يعترف به الجيش الأميركي.
كان هناك شك في هذا التضارب منذ بعض الوقت، استناداً إلى العمل السابق الذي قامتم به منظمات خاصة تقوم بتدقيق التقارير الصحفية والمعلومات المعلنة عن بعد. وقد تجاوزت خان وغوبال ذلك العمل من خلال اختيار ثلاث مناطق في محافظة نينوى العراقية كعينات، والتي أجريا فيها تحقيقاً استقصائياً مرهقاً على أرض الواقع، وأجريا مقابلات مع السكان وتنقلا من خلال الركام الذي خلفته المباني التي تعرضت للقصف. ثم قاما بمقارنة هذا الدليل المباشر، حادثاً بحادث، مع ما قالت القيادة العسكرية الأميركية المسؤولة أنه يتوفر لديها في سجلاتها عن الضربات الجوية التي نفذتها في المنطقة وعن نتائج تلك الضربات.
وكان قد سُمح للكاتبَين بالوصول إلى مركز العمليات في القاعدة الجوية الأميركية في قطر، التي أشرفت على توجيه الحرب الجوية. ويشمل تقريرهما الجانب العسكري الأميركي من هذه القصة، مع وصف للإجراءات التي تم استخدامها لاختيار الأهداف وتقييم الأضرار، بما في ذلك الخسائر المدنية. وليس الانطباع الذي تكون متعلقاً بالخداع المقصود أو بإلحاق الأذى. بل إن المشكلة في جزء منها هي مسألة افتقار إلى الوقت والموظفين الذين يقومون بإجراء الاستقصاء المفصل لما بعد الحقيقة على الأرض لكل هدف تعامل معه خان وغوبال مع عينتهما.
في جزء منها، تتعلق المسألة بتقصير في حفظ السجلات. لكنها في الجزء الضخم منها مسألة الضباب الذي يكتنف هذا النوع من صناعة الحرب بشكل ملئ بالأخطاء مع عدم وجود كاملة بطرية محزنة وقدرية غالباً. وعلى الرغم من أن بعض الخسائر المدنية تمثل ضرراً جماعياً على شكل أناس كانوا في مساحة استهداف "داعش، بينما كان آخرون في أماكن تم تحديد المستهدفين خطأ بأنهم على على صلات مع "داعش".
عملت الظروف التي كان المدنيون يعيشون في ظلها تحت حكم "داعش" ضد التحليل الدقيق الذي يجريه الجيش للأهداف المحتملة، مما أدى إلى الاعتماد بكثافة على المراقبة الجوية. وتمت ملاحظة أناس يدخلون ويخرجون من البنايات فيما بدا نشاطاً يومياً اعتيادياً على أنه إشارة إما أن البناية هي هيكل مدني عادي، أو أن هناك العديد جداً من الناس الأبرياء في المحيط المباشر لضربها.
مال غياب مثل هذا النشاط بريء المظهر إلى أن يؤخذ كتأكيد لسبب آخر للشك بعمليات شريرة يقوم بها "داعش" في الداخل. لكن الكثير من الناس مالوا، فيما تدعى خلافة "داعش"، والذين كانوا بغير ذلك ليتنقلوا بحرية، إلى المكوث خلف أبواب منازلهم المغلقة. وكان لديهم من الناحية الفعلية خيار زيادة تعريض أنفسهم لهمجية ووحشية "داعش" أو رفع وتيرة الشك في تلك القاعدة الجوية في قطر بأن لمنزلهم علاقة بما يفعله "داعش".
بدا أن خان وغوبال غير قادرين على أن يستنبطا من بياناتهما، باعتبارها مجرد عينة، أي عدد شامل من المدنيين الأبرياء الذين قتلوا وجرحوا في هذه الحرب الجوية. ومع ذلك، يشير المؤلفان إلى أنه من المرجح أن تكون الخسائر المدنية أعلى في بعض المناطق، مثل القسم الغربي من الموصل، حيث صمد "داعش" وقتاً أطول أمام قصف الائتلاف مما صمد في المناطق التي بحث فيها المؤلفان.
القيم والأخلاق
توفر هذه المكتشفات مادة مزعجة للتفكير في ثلاثة اعتبارات على الأقل. أحدها يتعلق بالقيم والأخلاق المنخرطة في العمل العسكري الأميركي الذي يعاني جراءه الكثير جداً من الأبرياء. وتظهر الوجوه البشرية التي يقرنها خان وغوبل ببعض الحالات المحددة من المعاناة التي استقصياها الخطأ الأساسي في ما كان يحدث.
يتعلق الاعتبار الثاني بالوقائع السلبية النتائج عن الهجوم المعاكس الذي كان يفترض فيه محاربة الإرهاب. وما يزال ماثلا سؤال (وزير الدفاع الأميركي الأسبق) دونالد رامسفيلد -هل إننا نخلق إرهابيين أكثر مما نقتل؟ ويميل الاستياء غير المستغرب من الولايات المتحدة، والذي ينجم عن قتل الطائرات الأميركية للأبرياء وجرحهم أو تدمير منازلهم، إلى خلق المزيد من الإرهابيين. وفي الحد الأدنى، فإنه يكرس نوع المشاعر التي يستغلها الإرهابيون الموجودون وتكسبهم دعماً.
ويتعلق اعتبار ثالث بقدرة الجمهور والطبقة السياسية الأميركيين على أن يقيموا بشكل كاف ما يجري في حملة عسكرية من هذا النوع. والمشكلة الكبرى كما هي دائماً، هي عدم وجود الإرادة لتخصيص اهتمام مناسب للمعلومات التي بحوزتنا.
لكن هناك في هذه الحالة المشكلة المضافة التي تشكلها المعلومات الزائفة. ويقول خان وغوبال إن الفارق الكبير بين الأعداد الرسمية والأرقام الفعلية المحتملة للخسائر المدنية يعني أن هذا الهجوم الجوي المعاكس "ربما كان الحرب الأقل شفافية في التاريخ الأميركي الحديث".
ثمة قرارات سياسة مهمة ستتخذ في المستقبل حول استمرار الدور العسكري للولايات المتحدة، إذا كان هناك دور، في المناطق التي احتلها "داعش" ذات مرة، وتمس الحاجة لأن تكون الخسائر المدنية وأهمية الحصول على تقدير دقيق لأثر حجم الخسائر على قضية قواتنا الخاصة جزءاً من أي نقاش حول تلك القرارات. لكن الدروس المستقاة من الحرب الجوية ضد "داعش" على الأقل يمكن أن تنطبق بنفس القدر على دول ومناطق أخرى حيث تولت الولايات المتحدة دور الشرطي الجوي، مستخدمة إما وسائل مأهولة أو غير مأهولة ضد مجموعات مثل "داعش" أو القاعدة.
يفكر المرء بشكل خاص في أفغانستان وباكستان. ولكن، في ظل غياب أي تخويل من الكونغرس محدد جغرافياً لهذا الاستخدام للقوة، فلن يكون هناك تحديد للمكان الذي ستقصفه الولايات المتحدة من السماء وأين تقصف على ضوء الصعوبات الفعلية في تجميع معلومات استهداف دقيقة ضد هؤلاء الأعداء الأشباح، وسوف يموت المزيد من المدنيين الأبرياء. وهذا واحد من الجوانب المظلمة المستمرة لـ"الحرب على الإرهاب" التي تمت عسكرتها إلى الحد الذي ينطبق عليه المجاز سيئ الاختيار.

*ارتقى في سنوات خدمته الثماني والعشرين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ليكون من كبار محللي الوكالة. وهو مؤلف، أحدث كتبه "لماذا تسيء أميركا فهم العالم".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Undercounting the Civilian Dead

التعليق