إبراهيم غرايبة

عن الفجوة بين السلطة والمجتمعات

تم نشره في الخميس 7 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:06 صباحاً

تظهر النقاشات حول الموازنة ودعم السلع وتسعير المحروقات والكهرباء أزمة ثقة كبرى بين الحكومة والمجتمعات والأفراد، وفي الوقت الذي لا تسلك في جهود معقولة وجادة لبناء أفكار مشتركة بينها وبين المجتمعات لا ترى المجتمعات مساحة للجدل مع الحكومة ليس سوى التبعية أو القطيعة؛ الإذعان أو الرفض، ولا شك أن هذه الحالة تلحق ضررا كبيرا وتدميريا بالعمليات السياسية والاقتصادية، ويحولها إلى صراع بين السلطة والمجتمعات بدلا من أن تكون  تنافسا سلميا وخلافات بين تيارات سياسية واقتصادية تتجادل فيما بينها حول المواقف والسياسات!
لكن نحتاج أولا حكومات ومجتمعات، أن نواجه أنفسنا بهذه الحقيقة، حقيقة أن هناك فجوة واسعة بين المجتمعات والسلطات السياسية في الثقة المتبادلة والمشاركة في الأهداف والمصالح، فمن الواضح أن المجتمعات لا تثق بجديّة الحكومات في الإصلاح، ولا تتحمّس لمشروعاتها ومواقفها في السياسات الخارجية والداخلية، حتى في القضايا والاتجاهات التي تؤيدها المجتمعات. وفي المقابل، تسلك الحكومات بعدائية تجاه المجتمعات، وتسعى إلى استتباعها وإضعافها بدلاً من المشاركة والتكامل، وسلبت المجتمعات فرصها وحقوقها في الولاية على كثيرٍ من شؤونها وأولوياتها.
لا يمكن بناء شراكة مع المجتمعات، من غير أن تكون مجتمعات حرة مستقلة، تملك مواردها ومؤسساتها، وتدير شؤونها، وتشعر بالكرامة، وتملك رؤيتها المستمدة من تفاعلها الخاص مع قضاياها وتطلعاتها، ومن خلال نخب وقادة اجتماعيين ينتمون إلى المجتمعات ويمثلونها، وليسوا مفروضين عليها فرضاً، وفي المحصلة، على السلطة السياسية، حتى تحصل على شراكة المجتمعات وتأييدها، أن تكفّ عن الوصاية على المجتمعات، وعن أن تفكر نيابة عنها، وفي المقابل عليها أن تشجع استقلال المجتمعات وقدرتها على امتلاك وإدارة مواردها ومؤسساتها الخاصة والمستقلة عن السلطة وعن الشركات.
الخطوة الأولى في تطوير الجدل هي ألا يكون بين الحكومة والمجتمعات لكن بين تيارات واتجاهات سياسية واقتصادية بعضها يؤيد الحكومة وبعضها يعارضها، وفي ذلك يكون الجدل والخلاف، تؤيده في كل اتجاه قواعد اجتماعية وطبقات وفئات ومصالح.
والحال أنه في الجدل السياسي والاقتصادي اليوم لا يوجد لدى الحكومة قواعد اجتماعية مؤيدة، ليس حول السلطة سوى جهاز إداري تنظيمي تابع لها ويتلقى منها، ولا يفيدها شيئا في بناء موقف اجتماعي متماسك وراءها، وفي المقابل فإن المجتمعات أيضا تواجه السياسات الحكومية وحدها بلا مساندة من أحزاب ولا نقابات ولا قيادات اجتماعية، ويجب القول إنها حالة خطيرة ومؤذية، لأنها تنشئ انقساما عميقا في بنية المجتمع والدولة، وتجعلهما مهددين في أية لحظة بالفوضى، كما أن خيارات المواجهة تنحصر في الإكراه، إذ لا مجال في مشهد مثل هذا للجدل السياسي والتأثير السلمي.
يجب أولا أن تكف الحكومات والنخب عن التلهي بمسائل وقضايا خارجية و/أو ميتافيزيقية، فهذا الإشغال والانشغال ليس سوى لعب في الوقت الضائع، والأسوأ من ذلك أنه لم يعد خديعة تمارسها التيارات والجماعات في حماسة اعتقاد حقيقي بها كما كان الحال من قبل، لكن الجماعات والتيارات والنقابات اليوم تترك نفسها تنخدع وتمضي في اللعبة وهي تعرف أنها مسرحية مكشوفة، وأنها ليست أكثر من نائحات مستأجرات أو مثل العمالة السائبة!

التعليق