القدس من وعد بلفور إلى قرار ترامب

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

نابلس -يبدو أن نسخة ثانية من وعد مشؤوم تعود  بعد  قرن من الزمن، فبعد مائة عام من استيلاء الجنرال البريطاني ادموند اللنبي على القدس بعد شهر من وعد بلفور، الذي منح فيه البريطانيون وطنا قوميا لليهود في فلسطين، يعطي الرئيس الأميركي دونالد ترامب نسخة أخرى من هذا الوعد وينفذه.
ومنذ ذلك الحين بدأت الصراعات والنزاعات حول القدس من قبل الجهات الخارجية، واليهود، لانتزاع حق الفلسطينيين في المدينة المقدسة.
وكان ترامب تعهد خلال حملته الانتخابية العام الماضي بنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس.
ورغم الظلم التاريخي للشعب الفلسطيني وعاصمته القدس، يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أغمض عيونه عما يجري بحق المدينة من انتهاكات واحتلال، حتى اختار هذا الشهر تحديدا لإعلان أن الولايات المتحدة الأميركية ستعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، رغم جميع التحذيرات والمخاوف من الدول العربية وحلفائها مثل فرنسا.
منذ العام 1917 حتى 1948
وشهدت العقود الثلاثة من الحكم البريطاني التي أعقبت مسيرة اللنبي إلى القدس تدفق المستوطنين اليهود الذين قادتهم الرؤية الصهيونية لوطن يهودي، في حين رضخ السكان العرب المحليين لواقع انهيار الأمبراطورية العثمانية التي حكمت المدينة منذ العام 1517.
وأنشأت بريطانيا حكومة عسكرية في فلسطين، قبل أن تكمل احتلالها لشمال فلسطين، في أيلول(سبتمبر) من العام 1918.
ونصت خطة اللنبي على منع البناء منعا باتا في المناطق المحيطة بالبلدة القديمة، ووضَعت قيودا على البناء في القدس "العربية"، وأعلن عن القدس الغربية "اليهودية" كمنطقة تطوير.
واتسم هذا المخطط بتعزيز الوجود اليهودي في المدينة، كما عمل على إحاطتها بالمستوطنات؛ لمنع أي توسع عربي محتمل، ومحاولة السيطرة على الحكم البلدي، كخطوة نحو الاحتلال الكامل للمدينة، وتحويلها إلى عاصمة للدولة اليهودية.
ومنذ احتلال القدس، ظهر التواطؤ الاستعماري البريطاني مع الصهيونية.
وعاش العرب الفلسطينيون صدمة بعد غياب الامبراطورية العثمانية، وبدأوا بإعادة ترتيب مجتمعهم، وظهرت الأسر الكبيرة في القدس وقادة الحركة الوطنية الفلسطينية التي واجهت الهجرة اليهودية، وقاموا بالعديد من الأعمال والفعاليات المناهضة لهجرة اليهود إلى القدس.
وقبيل إعلان الانتداب البريطاني الانسحاب من فلسطين، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني(نوفمبر) 1947 على قرار تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية (56 % من مساحة فلسطين الكلية)، ودولة عربية (43 % من المساحة) فلسطينية وتدويل منطقة القدس (1 % من المساحة).
ذلك القرار الأممي رحب فيه اليهود فيما أكد العرب والفلسطينيون رفضهم له، وشكلوا جيش الإنقاذ بقيادة الضابط السوري فوزي القاوقجي، لمواجهة العصابات اليهودية وطردها في فلسطين.
في الرابع عشر من أيار (مايو) عام 1948، أعلنت حكومة الانتداب البريطاني إنهاء وجودها في فلسطين، وبعد ساعات قليلة استغلت العصابات الصهيونية حالة الفراغ السياسي والعسكري وأعلن ديفيد بن غوريون عن قيام دولة إسرائيل، ما دفع الدول العربية لتحريك جيوشها وخوض حرب "النكبة" مع تلك العصابات استمرت حتى السابع من كانون الثاني (يناير) عام 1949.
وأسفرت الحرب عن هزيمة الجيوش العربية، وسقوط القدس الغربية وقرابة أربعة أخماس فلسطين تحت السيطرة الإسرائيلية، متجاوزة المساحة التي نص عليها قرار التقسيم، فيما بقيت القدس الشرقية تحت الحكم الأردني. وقسمت القدس على إثرها إلى مناطق فلسطينية تحت السيطرة الأردنية 11.48 %، ومناطق فلسطينية محتلة (الغربية) 84.13 تحت السيطرة الإسرائيلية، ومناطق حرام ومناطق للأمم المتحدة 4.40 % .
وكان مجلس الأمن أوصى في 7 آذار(مارس) 1949 بقبول إسرائيل عضوا كاملا في الأمم المتحدة بشرط مواقفتها على قرار التقسيم 181 وعودة اللاجئين الفلسطينيين وتعويضهم، ورغم عدم التزامها بذلك إلا أن الجمعية العامة للأم المتحدة أقرت على هذه التوصية في 11 أيار (مايو) 1949.
وعملت حكومة الاحتلال الإسرائيلي منذ ذلك الحين على توسيع سيطرتها في مدينة القدس المحتلة، مرتكبة أبشع المجازر بحق السكان الأصليين وإجبارهم على ترك منازلهم وإحلال المستوطنين مكانهم.
وسنت دولة الاحتلال قوانين عديدة لتعزيز سيطرتها على القدس المحتلة، بدأتها عندما رفضت الاقتراح الدولي للجمعية العام للأمم المتحدة في القرار رقم (303 ـ 4) تاريخ 9/12/1949 عزمها على وضع منطقة القدس تحت الإدارة الدولية لضمان حماية الأماكن المقدسة، وعهدت إلى مجلس الوصاية تحقيق ذلك، إلا أن إسرائيل تحدت القرار وأعلنت رسميا نقل عاصمتها من تل أبيب للقدس الغربية.
ونقل رئيس وزراء الاحتلال بن غوريون وعدد من الوزراء مكاتبهم في 14/12/1949 إلى الشطر الغربي المحتل، وانعقدت الكنيست فيها وأعلنت في 26/12/1949: "أن القدس جزء لا يتجزأ من إسرائيل".
وبدأت في عام 1961 ببناء مقر الكنيست وانتهى بناء المقر عام 1966 على أرض تعود ملكيتها للوقف الإسلامي ولعائلات فلسطينية.
ما بعد عام 1993
نص اتفاق اوسلو على ارجاء البت في قضايا القدس واللاجئين والحدود الى وقت آخر، ومر ربع قرن منذ ذلك الحين وحتى الآن لم يتم التوصل الى أي اتفاق بشأن هذه الأمور.
وفي العام 2000 نتج عن زيارة قام بها زعيم حزب الليكود اليميني المتطرف ارئيل شارون الى باحات المسجد الأقصى، ما أشعل فتيل الانتفاضة الثانية، التي أسفر عنها استشهاد آلاف الفلسطينيين.
وفي شهر تموز (يوليو) من العام الحالي قام ثلاثة شبان بمهاجمة شرطيين إسرائيليين، على أثرها أغلقت سلطات الاحتلال المسجد الأقصى أمام المصلين لأول مرة منذ نصف قرن من الزمن. كما أغلقت الشرطة الإسرائيلية بوابات البلدة القديمة في القدس.
وأعلنت دائرة الأوقاف الإسلامية ومفتي القدس عن العودة إلى الصلاة في المسجد الأقصى بعد تراجع إسرائيل عن إجراءاتها الأمنية، في وضع كاميرات مراقبة واجراءات أخرى.
ويؤكد المجتمع الدولي أن ضم القدس الشرقية واستيطانها منذ 1967 غير شرعي ورفض الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.
بينما يضرب الرئيس الأميركي ترامب عرض الحائط، ويتحدى العالم بنيته اهداء إسرائيل الاعتراف وإعلان أن القدس عاصمة لها، ونقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس.
وتؤكد القيادة الفلسطينية موقفها الثابت والراسخ أن لا دولة فلسطينية دون القدس الشرقية عاصمة لها وفقا لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.-(وفا)

التعليق