تعظيم الأئمة الأربعة للنبي صلى الله عليه وسلم باتّباع سنّته

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة

المسلمون الصادقون والمؤمنون المخلصون -على اختلاف أزمانهم وأماكنهم واتجاهاتهم- يُجمعون على وجوب تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومحبّته ونصرته، لقوله تعالى: "لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزّروه وتوقّروه" (الفتح: 9)، وقال أيضاً: "فالذين آمَنوا به وعزّروه ونصروه واتّبعوا النور الذي أُنزل معه أولئك هم المفلحون" (الأعراف: 157).
وأعظم التوقير والنصرة والتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم هو طاعته واتباعه في أمر الدين، وهذه هي الخاصية الأساسية التي تميز بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البشر أنه رسول رب العالمين ليبلغنا عنه وحيه وأمره ونهيه، فكيف نزعم حب النبي صلى الله عليه وسلم ثم نُعرض عن اتباع سنته وطريقته ومنهجه؟  
وأول خطوة في تعظيم سنة النبي هي اعتماد سنته الصحيحة وتجنّب ما لم يصح عنه، وهو ما وضّحه وأكّده الإمام النووي، وهو من أئمة الشافعية الكبار في مقدمة كتابه "خلاصة الأحكام" فقال: "فإنَّه ينبغي لكل أحدٍ أنْ يتخلَّق بأخلاق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ويقتدي بأقواله وأفعاله وتقريره في الأحكام والآداب وسائر معالم الإسلام، وأن يعتمد في ذلك ما صح، ويجتنب ما ضعف، ولا يغتر بمخالفي السنن الصحيحة، ولا يقلد معتمدي الأحاديث الضعيفة، فإن الله سبحانه وتعالى قال: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتّقوا الله إن الله شديد العقاب" (الحشر: 7)، وقال تعالى: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" (الأحزاب: 21)، وقال تعالى: "قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله" (آل عمران: 31).
فهذه الآيات وما في معناهن حث على اتباعه صلَّى الله عليه وسلَّم ونهانا عن الابتداع والاختراع، وأمرنا الله سبحانه وتعالى عند التنازع بالرجوع إلى الله والرسول؛ أي: الكتاب والسنة، وهذا كله في سنة صحت، أما ما لم تصح فكيف تكون سنة؟! وكيف يحكم على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قاله أو فعله من غير مسوغ لذلك؟! ولا تغترن بكثرة المتساهلين". 
أما الخطوة الثانية في تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم فهي التسليم المطلق له في كل أبواب الدين من الاعتقاد والفقه والسلوك، حيث كان ترك التسليم للسنة النبوية سبب ضلال لكثير من الناس كما يحدّثنا الإمام الحنبلي ابن الجوزي في كتابه "صيد الخاطر" فيقول: "تأملتُ الدَّخَلَ الذي دخَل في دِيننا من ناحيتي العلم والعمل، فرأيتُه من طريقين قد تقدَّما هذا الدِّين، وأنس الناس بهما، فأمَّا أصل الدَّخَل في العِلم والاعتِقاد فمن الفلسفة، وهو أنَّ خلقًا من العلماء في دِيننا، لم يقنعوا بما قنع به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الانعِكاف على الكتاب والسُّنَّة، فأوغَلُوا في النَّظَرِ في مذاهب أهل الفلسفة، وخاضوا في الكلام الذي حملَهُم على مذاهب رديَّة أفسدوا بها العقائد.
وأمَّا أصل الدَّخَلِ في باب العمل فمن الرهبانيَّة، فإنَّ خلقًا من المتزهِّدين، أخَذُوا عن الرُّهبان طريق التقشُّف، ولم ينظُروا في سِيرة نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه، وسمعوا ذمَّ الدنيا وما فهموا المقصود، فاجتمع لهم الإعراضُ عن عِلم شرعنا مع سُوء الفهم للمقصود، فحدثت منهم بدعٌ قبيحة، فأوَّل ما ابتدأ به إبليس أنَّه أمرهم بالإعراض عن العلم، فدفنوا الكتب وغسلوها، وألزمهم زاوية التعبُّد فيما زعَم، وأظهر لهم من الخزعبلات ما أوجب إقبال العوام عليهم، فجعَل إلههم هواهم، ولو عَلِمُوا أنهم منذ دفَنوا كتبهم وفارَقوا العلم انطفأ مصباحهم، ما فعلوا، لكن إبليس كان دقيق المكر، يوم جعَل علمَهم في دفينٍ تحت الأرض، وبالعلم يُعلَمُ فسادُ الطريقين ويُهتدَى إلى الأصوب؛ نسأل الله عزَّ وجلَّ ألاَّ يحرمنا إياه، فإنَّه النور في الظُّلَمِ، والأنيس في الوَحدة، والوزير عند الحادثة".
والخطوة الثالثة في تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم فهي ترك كل قول يخالف قوله صلى الله عليه وسلم كما نصّ على ذلك الإمام الشاطبي المالكي في كتابه الاعتصام بقوله: "ولا يتعصب لمتبوعه -من الأئمة- بالتمادي فيه، لأن ذلك يؤدي إلى مخالفة الشرع أولاً ثم مخالفة متبوعه، ...لأن كل عالم يصرح أو يعرض بأن اتباعه على شرط أنه حاكم بالشريعة لا بغيرها، فإذا ظهر أنه حاكم بخلاف الشريعة خرج عن شرط متبوعه بالتصميم على تقليده".
والخلاصة في تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا بها العلامة أبو الحسنات محمد بن عبدالحي اللكنوي، وهو من كبار علماء الحنفيَّة في الهند، فيقول: "ومَن نظر بنظر الإنصاف، وغاص في بحار الفقه والأصول متجنِبا الاعتساف، يعلم علمًا يقينيا أن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها، فمذهب المحدثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم، وإني كلما أسير في شعب الاختلاف أجد قول المحدثين فيه قريبا من الإنصاف، فلِلّه درهم، وعليه شُكرهم، كيف لا وهم ورَثَةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حقا، ونوَّاب شَرعِه صِدقًا، حشَرَنا الله في زُمرتهم، وأماتَنا على حبِّهم وسِيرتهم".
وتعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم بتعظيم أمره ونهيه هو نهج الصحابة الكرام والسلف الصالح والتابعين، فها هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز  رضي الله عنه يقول: "لا رأي لأحد مع سُنة سنَّها رسول الله  صلى الله عليه وسلم"، وها هو أبو قلابة يقول: إذا حدَّثت الرجل بالسُّنة فقال: "دعنا من هذا وهات كتاب الله، فاعْلم أنه ضال"، وعلق على هذا الموقف الإمام الذهبي فقال: "إذا رأيت المتكلِّم المبتدع يقول "دعنا من الكتاب والأحاديث الآحاد وهات العقل" فاعلم أنه أبو جهل، وإذا رأيت السالك التوحيدي يقول "دعنا من النقل ومن العقل وهات الذوق والوجد" فاعلم أنه إبليس قد ظهر بصورة بشر أو قد حلَّ فيه، فإن جبنت منه فاهرب، وإلاَّ فاصرعه، وابرك على صدره، واقرأ عليه آية الكرسي".
وجريا على سنة الصحابة والسلف الصالح جاء موقف الأئمة الأربعة في تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم بتعظيم سنته والخضوع لها وعدم تقديم شيء عليها من الآراء أو الأهواء، وهذه بعض مقولات الأئمة الأربعة توضح ذلك:
1. الإمام أبو حنيفة رحمه الله:
- "إذا صحّ الحديث فهو مذهبي"، حاشية ابن عابدين، 1/63.
-"إذا قلتُ قولا يخالف كتاب الله تعالى وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فاتركوا قولي"، إيقاظ همم أولى الأبصار للعلامة الفلاني، ص 50.
2. الإمام مالك بن أنس رحمه الله:
- "إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه"، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، 2/32.
- "ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم"، جامع بيان العلم، 2/91.
3. الإمام الشافعي رحمه الله:
- "ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فمهما قلتُ من قول أو أصّلت من أصل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لخلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قولي"، تاريخ دمشق لابن عساكر 15/1 /3.
- "إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت"، المجموع للنووي 1/63.
4. الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:
- "لا تقلّدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخُذ من حيث أخذوا"، إعلام الموقعين لابن القيم 2/302.
- "من ردّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة"، المناقب لابن الجوزي، ص 182.
وقد طبق الأئمة الأربعة وتلاميذهم هذه الوصايا والتنبيهات، فها هو الإمام الشافعي يخاطب تلميذه الإمام أحمد فيقول له: "يا أحمد: أنت أعلم بالحديث مني فإذا جاءك الحديث الصحيح فأَعلمني به سواء كان حجازيا أو شاميا أو مصريا"، ولذلك حين مر الشافعي بمكة في طريقه لمصر وتعرف على أحاديث وأسانيد جديدة تغيّر مذهبه وأصبح المعتمد هو مذهبه الجديد في مصر.
وكذلك تلميذا الإمام أبي حنيفة، الإمام أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن قد غيرا ثلثي مذهب إمامهما لما استجد عندهما من معرفة بالأحاديث النبوية. 
وأخيراً؛ فإن تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم يكون بتعظيم أمره ونهيه واتباع الوحي الذي جاء به عن ربه سبحانه وتعالى، أما دعوى حبه عبر احتفالات سنوية وكلمات شكلية وطقوس رمزية فهذا من تلبيس إبليس على المفاليس!

التعليق