ترامب بلا استراتيجية لكوريا الشمالية

تم نشره في الجمعة 8 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

كريستوفر هيل*

دنفر- من المؤكد أن للرئيس الأميركي دونالد ترامب حقا عندما يشكو من أنه ورث مشكلة كوريا الشمالية الصعبة. ولكن حقيقة أن ترامب ورث المشكلة لا تعفيه من مسؤولية التصدي لها، حيث فشل حتى الآن في وضع استراتيجية -ناهيك عن تطبيقها- للتعامل مع كوريا الشمالية. وكان إنجازه الوحيد بعد عام تقريباً من رئاسته هو فرض عقوبات إضافية في الأمم المتحدة، والأسوأ من ذلك أن شكواه المريرة من أسلافه تشير إلى أنه ليس لديه فكرة عما يجب القيام به بعد ذلك.
جاءت محاولة ترامب الأخيرة لمعالجة هذه المشكلة في الشهر الماضي، عندما أعلن بشكل صاخب أن إدارته ستعيد كوريا الشمالية إلى قائمة وزارة الخارجية الأميركية للدول الراعية للإرهاب. وكان قراره رمزياً الى حد كبير -وإن كان مبرراً على ضوء سلوك كيم. وهو قرار يشبه قرار الرئيس السابق جورج بوش الابن في تشرين الأول (أكتوبر) 2008 إزالة كوريا الشمالية من تلك القائمة.
يدعي بيت ترامب الأبيض أن إعادة تسمية كوريا الشمالية كدولة راعية للإرهاب تشكل "خطوة حاسمة"، وهذا غير صحيح؛ فالخزانه الأميركية لا تتطلب حتى هذا التصنيف لصياغة عقوبات إضافية.
تظل الدول الراعية للإرهاب غير مؤهلة للحصول على الدعم العسكري الأميركي الذي لم يكن ممكناً على أي حال بالنسبة لكوريا الشمالية. كما أن الولايات المتحدة ممنوعة بحكم القانون من دعم أي قروض أو أي أشكال أخرى من المساعدات المقدمة إلى الدول الراعية للإرهاب من قبل المؤسسات المالية الدولية التي تعد الولايات المتحدة عضواً فيها. لكن كوريا الشمالية ليست عضوا في أي مؤسسة مالية دولية.
كما أشار كثيرون، فإن قائمة الإرهاب ليست بأي حال من الأحوال ملخصاً كافياً وافياً للبلدان التي قد تكون أجهزة أمنها متورطة مع جماعات إرهابية، وتضم القائمة الكاملة حالياً أربعة بلدان فقط هي: إيران، وكوريا الشمالية، والسودان وسورية. وعلى الرغم من علاقات الديكتاتور الفنزويلي الراحل هوغو شافيز بالقوات المسلحة الثورية الكولومبية التي صنفتها وزارة الخارجية الأميركية على أنها منظمة إرهابية، فقد تمكنت فنزويلا من البقاء خارج القائمة. ويعتقد الكثيرون بأن أجهزة الأمن الباكستانية كذلك تحتفظ بعلاقات مع جماعات إرهابية إلى حد جعل باكستان مؤهلة لأن يتم إدراجها في القائمة.
مع ذلك، وحتى كبادرة رمزية، فإن سياق قرار بوش إزالة كوريا الشمالية من القائمة كان مختلفاً تماماً عن قرار ترامب بإعادة إدراجها فيه. ففي العام 2008، كانت كوريا الشمالية قد استوفت شروطاً معينة. أولاً، وافقت على المشاركة في المحادثات السداسية مع الصين واليابان وروسيا وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة (والتي قمت بتمثيليها كمساعد وزير الخارجية لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ). وكان الهدف الصريح للمحادثات هو نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية، وكانت النتيجة إغلاق كوريا الشمالية لمرفقها النووي في يونغبيون.
وعلاوة على ذلك، كانت كوريا الشمالية في وقت رفع اسمها من القائمة تشارك أيضاً في محادثات لإنشاء نظام للتحقق من أنشطتها النووية. وقد دعا النظام مفتشين دوليين إلى يونغبيون وقدم سجلات جوهريه لعمليات مفاعل يونغبيون، والتي ما تزال واحدة من أكثر المصادر دقة لقياس كمية البلوتونيوم المنتجة فعلاً هناك.
وفي ذلك الوقت، وافقت كوريا الشمالية على تفجير برج تبريد مفاعل يونغبيون لكي ترد جميل العمل الرمزي للولايات المتحدة بعمل رمزي مشابه. وبطبيعة الحال، كانت تلك صفقة جزئية، ولكن ترامب كان سيقبلها بأقصى سرعة لو تم عرضها عليه.
في وقت لاحق، بدأ الاتفاق بالانهيار بسبب رفض كوريا الشمالية الثابت الاعتراف بأن لديها برنامجا، في الماضي أو الحاضر، لتطوير المواد الانشطارية عن طريق اليورانيوم عالي التخصيب؛ حيث فشل النظام في تفسير المشتريات الدولية من المعدات بما يتفق مع مثل هذا البرنامج. وقد أثارت عينات من المواد المتخصصة التي قدمها النظام إلى الدبلوماسيين الأميركيين مزيداً من الشكوك لديهم.
بعد توقف دام سنوات عدة، عاد مفاعل يونغبيون النووي إلى العمل مرة أخرى. ومن الجدير بالذكر أن جميع التجارب النووية الست التي أجرتها كوريا الشمالية منذ العام 2006 تتفق مع البلوتونيوم المحصود من المفاعل قبل المحادثات السداسية. ومما لا شك فيه أن إمكانية قيام كوريا الشمالية بتشغيل مرفق لليورانيوم عالي التخصيب في مكان ما في مشهدها النفقي أمر يبعث على القلق البالغ. ولكن مرفق يونغبيون، على عكس أولئك الذين جادلوا بأنه كان في مراحله الأخيرة، كان يشكل دائماً خطراً واضحاً وحاضراً.
تفسر حقيقة أن ترامب يمكنه وضع كوريا الشمالية مرة أخرى على قائمة الإرهاب مع ضجة بيروقراطية قليلة ومن دون تداعيات دولية تقريباً، لماذا تعد القائمة عقاباً من المفيد أن يبقى تحت تصرف للولايات المتحدة، وأن معيار إلغاء التسمية -أي انعدام الاعمال الإرهابية أو التعاون مع الجماعات الإرهابية في الأشهر الستة الماضية- يتسم بالمرونة الكافية بحيث يمكنه بسهوله استخدام الخروج من القائمة كأداة تفاوضية. وبالمثل، يمكن إعادة التسمية عندما تستدعي الظروف ذلك -مثلما حدث عندما خطط كيم لإغتيال أخيه غير الشقيق في مطار ماليزي.
سوف يتطلب حل مشكلة كوريا الشمالية جدية في الهدف ومستوى عالياً من الانضباط الذي لم يظهره ترامب، علماً بأن السياسة الفعالة تتطلب التعاون مع الصين وليس إغراق الرؤساء الصينيين بالمديح. وينبغي أن يقوم هذا التعاون على أساس التزام طويل الأجل وليس على معاملات لمرة واحدة. وربما يكون الأهم من ذلك أنها تتطلب تواصلاً يومياً -وليس فقط مع الصين، وإنما مع جميع أصحاب المصلحة الإقليميين الآخرين أيضاً.
سوف تستفيد مثل هذه السياسة من وجود وزير خارجية أميركي يلتزم بالحفاظ على فريق من الدبلوماسيين المهنيين ذوي الخبرة، ومن اعتراف ترامب ومستشاريه بأن البناء على جهود الأسلاف هو أكثر فعالية من اتهامهم بأنهم جعلوا العمل أكثر صعوبة. ومع الأسف ما يزال تعلم هذا الدرس الأخير بعيداً عن هذه الإدارة.

*مساعد سابق في وزارة الخارجية الأميركية لشؤون شرق آسيا. خدم سفيراً في دول عدة. وهو حالياً عميد كلية كوربل للدراسات الدولية، جامعة دنفر.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق