البجعات السود

تم نشره في السبت 9 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:04 صباحاً

ما تزال الأحداث السياسية والاستراتيجية الكبيرة تتلاطم في المنطقة والعالم من حولنا، وكأن العام الحالي لم يُفرغ بعد ما في جعبته من الحوادث، فلا يريد أن يطوي صفحاته الملأى بالحروب والمآسي والمعاناة والأزمات الاقتصادية والمعيشية وتقارب الأعداء وتباعد الأشقاء قبل أن يسجل المزيد من المفاجآت، هذه الأحداث الكبيرة والكثيرة والمفاجئة تجعل من العسير أن تتشكل لدى أحدنا رؤية واضحة للمستقبل القريب قبل البعيد، وبالتالي إعداد خطط متماسكة في المجالات والمستويات المختلفة.
كثير من تلك الأحداث ذات الأثر القريب والمباشر لم تأت وفق توقعاتنا أو ما سمعناه من أفكار وتوقعات المحللين الاستراتيجيين وعموم من سمعنا لهم من المعلقين، بل دهمنا انفجار الأحداث وتبعاتها وارتداداتها، فأي نموذج علمي للتنبؤ كان يمكن أن يتنبأ بأن ينتهي عامنا الحالي أو يكاد على هذا النحو، وأي إطار استراتيجي كان يمكن أن يتسع لكل هذا. 
 تدهمنا هذه الأحدات الكبيرة التي تأتي من غير جدول سابق ومتوقع، ثم لاتلبث أن تعتادها عقولنا، فنعود لنتصورها أشياء طبيعية، ونجد لها لاحقا إرهاصات وسياقا وبدايات منطقية، وهذا يذكرني بنظرية "البجعة السوداء" والتي تنسب إلى كتاب يحمل ذات الاسم ظهرت طبعته الأولى في العام 2007 للعالم الاميركي - اللبناني نسيم طالب، والذي عُدّ كتابه هذا واحداً من أكثر المؤلفات ذكاءً عبر التاريخ.
في كتابه هذا، يصف طالب نمطا مهما من الأحداث التي تشكّل التاريخ وتترك آثاراً كبيرةً بـ"البجعة السوداء" ويعد لها سمات ثلاث، الأولى أنها أحداث عرضية أو شاذة عن سياق التوقعات المألوفة، بحيث يصعب توقعها مسبقا، والثانية أنها ذات تأثير واسع، والثالثة أن تتحول نتيحة الطبيعة البشرية -وبأثر رجعي- الى حدث منطقي، كما لو كان حدثا متوقعا. وبحسب طالب فإن بعض هذه الأحداث "البجعات السود"  تكون على مستوى واسع وبعضها يأتي على مستوى محدود، ولكنها تتصف بتلك السمات، وبالتالي توصف بذلك الوصف.
أحداث كثيرة شهدناها ونشهدها هذا العام هي من هذا النوع من الأحداث التي أطلقت العنان للبجعات السود، يجمع بينها صعوبة التنبؤ بها قبل حدوثها وبالتالي الاستعداد لها والتخفيف من أثرها السيئ، أو اغتنام الفرص التي قد تنتجها. يرى الدكتور طالب -والذي أوحت له الحرب اللبنانية بهذه الفكرة-  أن كل الأحداث المهمة تقريبا في التاريخ جاءت على نحو غير متوقع، في حين أن البشر يقنعون أنفسهم بأن هذه الأحداث يمكن تفسيرها عند وقوعها.
هي ليست دعوة للقنوط أو حتى إلى عدم جدوى استشراف المستقبل، ودراسة الأساليب العلمية في التنبؤ بالكلية، بل هي للاحتياط لما هو غير متوقع من الحوادث، ولو من ضرب التهيئة الذهنية والنفسية ورباطة الجأش، وامتلاك العناصر التي تساعد على مواجهة الأحداث والظروف غير المتوقعة.
 لصاحب النظرية قول بأن حدث البجعة السوداء يعتمد على موقع المراقب، فالبجعة السوداء التي تفاجئ الديك الرومى لا تشكل مفاجأة ولا "بجعة سوداء" بالنسبة لجزّاره، وبالتالي "احرص دائماً على أن لا تكون ديكاً رومياً".

التعليق