إبراهيم غرايبة

القدس مدينة واحدة وثلاثة أديان وعاصمتان

تم نشره في السبت 9 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:08 صباحاً

برغم أن مسألة القدس سياسية خالصة، ويعكس وضعها الصراع السياسي ونتائجه، ويفترض ألا يتأثر وضعها الديني بوضعها السياسي، لكنها تظل مسألة دينية وجدانية تحرك السياسة والصراع كما المشاعر والمعتقدات؛ ترامب المأزوم المهدد بالعزل أو الإقالة يستنجد باليمين الديني البروتستنتي، والليكود الاسرائيلي المهدد بالانحسار والتفتت يعالج أزمته بالتحالف مع الجماعات الدينية اليمينية الصاعدة، والفشل الفلسطيني والعربي والإسلامي يحتمي بالمقدسات.
لم يعودوا يدركون ذاتهم ووجودهم (وهذا يساوي أنهم لم يعودوا موجودين)، الأموريون ثم الكنعانيون الذين منحوا المدينة قدسية السلام، وأسموها أور سالم نسبة إلى إله السلام، أو هي مدينة المدن التي كانت تستقبل بشأنها ومواردها وآلهتها أيضا كما هو دأب المدن الكثيرة الممتدة في شرق المتوسط، وكانت هذه القداسة المركزية متجسدة في صخرة؛ ظل الحجر الأسود رمز القداسة ووجهة العبادة لدى الآراميين وموضوع تراتيلهم قبل التوحيد، وبقي ذلك أيضا فيما بعد في الأديان التوحيدية، وحين جاءها بنو إسرائيل متتبعين وعد إبراهيم (1800 ق.م) كانت مدينة محمية بقوم جبارين يعبدون "بعل" الذي كان هيكله مقاما في جبل صهيون قبل ظهور اليهود بألف سنة، وكان عليهم أن ينتظروا أربعمائة سنة حتى ضعف أشراف الكنعانيين (اليبوسيون) ليستولوا عليها بالتحالف مع الفلسطينيين! التسمية التي أطلقت على مستوطني السواحل، وكانوا جماعات متميزة عن الكنعانيين. لكن التراث الكنعاني هيمن على الإسرائيليين والفلسطينيين، صاروا جميعا يعبدون "بعل" حتى إن الملك إيهاب ابن سليمان أرسل جنوده ليقتلوا النبي الياس في شرق النهر لأنه كانوا ينهى عن عبادة بعل.
المرجح أن الهجرة الإسرائيلية من مصر بحدود العام 1250 ق.م كانت عمليات هروب وتسرب بطيئة وهادئة اندمج فيها المهاجرون مع الأقوام التي كانت تستوطن المنطقة من قبل، ولم يشعروا بوعي مستقل وخاص بهم إلا بعد أربعمائة سنة، وظهرت مملكة داود مثل الممالك المدينية الصغيرة في المنطقة، ثم انقسمت على نفسها وذابت في الشعوب والمدن المحيطة، حتى إن عزرا/عزير العائد من السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد لم يجد أحدا يتكلم العبرية وكان في حديثه مع قومه في حاجة إلى مترجمين من العبرية إلى الآرامية، وظهرت التسمية باليهودية نسبة إلى يهودا القبيلة العائدة من بابل والتي وجدت نفسها مختلفة عن الإسرائيليين المتبقين في فلسطين، هي تسمية أطلقها الإسرائيليون على الفئة المختلفة عنهم، وما يزال السامريون يصرون على هذه الرواية! وكانت القدس في هذه الأثناء مدينة كنعانية لا تخص اليهود وحدهم. ثم صارت القدس مدينة يونانية، وقد كتب اليهود أسفارهم باللغة اليونانية التي هيمنت على العلم والتجارة والثقافة.
كان الأباطرة اليونان والرومان متسامحين دينيا، والحال أن الإكراه الديني لم يعرفه العالم إلا في القرن الخامس الميلادي، حتى في هذه المرحلة فلم تكن سياسة بيزنطية، لكن الكهنة المسيحيين استخدموا نفوذهم وحظوتهم بعد انتشار المسيحية واعتناقها من قبل معظم الناس بمن فيهم الأباطرة أنفسهم لاضطهاد اليهود ومخالفيهم من المسيحيين الشرقيين، وكان اليهود قد استفادوا من سياسات التسامح في ترسيخ وجودهم في القدس وتحويلها في القرن الثالث قبل الميلاد إلى مدينة ذات طابع يهودي، لكن اليهود جذبتهم كالمسيحيين فيما بعد الثقافة اليونانية، وكانت الاسفار التي دونت في القرن الثالث قبل الميلاد تحمل أثرا يونانيا أو تفاعلا بين اليهودية واليونانية.
يرى المؤرخ الإسرائيلي فيليب ديفيس كما يذكر محمود أبو طالب أن ثمة ثلاثة أنواع من إسرائيل، إسرائيل الحقيقية القديمة، وهم الناس الحقيقيون الذين عاشوا قبل 3000 عام وخلفوا آثار بيوتهم وحضارتهم المادية. وإسرائيل الأدبية القديمة، وهي الموصوفة في صفحات العهد القديم (التوراة)، التي لم توجد إلا في أذهان مؤلفي تلك النصوص، أي أنها إسرائيل الأسطورية. وإسرائيل العلماء القديمة، وهي التي اخترعها هؤلاء عن طريق إسقاط النصوص التوراتية على الأدلة الأثرية، أي إسرائيل غير الشرعية.

التعليق