ليس كمثلها في هذا العصر قضية

تم نشره في الاثنين 11 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:06 صباحاً

قضية فلسطين قضية فريدة في التاريخ المعاصر ليس كمثلها قضية، ولا سابقة لها فيه سوى قضية الهنود الحمر في أميركا الذين اغتصب المهاجرون الأوروبيون وطنهم وأبادوهم بيولوجياً وجغرافياً وحضارياً واستوطنوه لدرجة إيمانهم بعد عدة أجيال أنه وطنهم الأصلي. ها هو ترامب حفيد أحد المهاجرين في أواخر القرن التاسع عشر يقيد حرية الهجرة إليه متناسياً ذلك.
إن قضية فلسطين أرضاً وشعباً لا تختلف عن قضية الهنود الحمر أرضاً وشعباً، فإسرائيل ليست سوى أميركا الصغرى في فلسطين، وأميركا ليست سوى إسرائيل الكبرى في أميركا. لكن هل ستكون النتيجة في فلسطين كالنتيجة في أميركا؟ إنني لا أعتقد ذلك فعدد الفلسطينيين في فلسطين الكاملة يقرب من عدد اليهود فيها، ولكن المسألة ليست فقط بالعدد، بل بالصمود والمدد أيضاً.
قضية فلسطين فريدة مثل قضية الهنود الحمر التي سبقتها فأرض الهنود الحمر لم تكن محتلة بل مغتصبة ومستوطنة، وأرض فلسطين مثلها. وبين الاحتلال والاغتصاب والاستيطان فرق نوعي كبير، ومن ثم "فالمقاومة" في الحالة الثانية "مقاومة وجودية" لا مجرد صراع سياسي كما في حالة الاحتلال الذي لا بُدّ أن ينتهي.
ماذا نفهم من ذلك؟ نفهم منه أنه لا تصح مقارنة أو مماثلة مقاومة الاغتصاب والاستيطان بـ"مقاومة" الاحتلال، إذ بينما الاحتلال –أي احتلال- زائل مهما طال الزمن، فإن الاغتصاب والاستيطان قد يستمران ويتقادمان لدرجة إيمان أجيال المغتصبين (بكسر الباء) والمستوطنين بمرور الوقت بأنه وطنهم الأصيل الوحيد، ولا مكان لديهم غيره يذهبون إليه. وهنا تكمن فرادة المقاومة وعظم (المأساة) المشتركة للطرفين، لأن كلاً منهما يحاول أن يلغي الآخر.
وفي أثناء ذلك وحتى لا يؤدي طول الزمن إلى غياب الوطن من الذهن عند الضحية، فإنه يجب على الأسرة والمدرسة والإعلام في فلسطين وعند كل فلسطيني (وعربي إن شئت) نقل ندوب الاغتصاب والاستيطان وجراحهما وأحزانهما وأهوالهما من جيل إلى جيل كي تستمر الرواية وتستمر المقاومة. يجب أن نتعلم الاحتفاظ بالذاكرة والمحافظة عليها من العدو نفسه وأن تتفوق عليه فيهما بدءاً من كنعان وفلسطين، مروراً بنصوص التوارة نفسها التي تثبت وجودهم فيها قبل الغزو اليهودي الأول لها، وتذكر الحرب والسلام بينهم مئات المرات، فالحركة الصهيونية التي أنبثقت من المسألة اليهودية التي اختلقتها أوروبا، ووعد بلفور الذي صدر لحلها على حساب فلسطين أرضاً وشعباً فالانتداب الذي مهد لقيام إسرائيل وما ألحقته بشعب فلسطين من أذى تمثل بالتشريد والاغتصاب والاستيطان. سئل شمعون بيرس مرة: ألن تنسوا الهولوكست؟ فأجاب: لم ننس السبي البابلي فكيف ننسى الهلوكوست؟ وعلى منواله يجب أن نردد دائماً ودون كلل أو ملل: لم ننس وعد بلفور فكيف ننسى القدس!!!
But it is not Jerusalem, stupid!!! It is our being or not being in Palestine. That is the question.
إلى أو على جانب هذا الوضع الفريد للقضية الفلسطينية نشأ وضع فريد آخر في موازاته، وهو اعتماد الشعب الفلسطيني على العرب في تصديهم للاغتصاب والاستيطان بعد تدخلهم فيها (1936، 1948، 1967) بدلاً من الاعتماد الكلي والنهائي على النفس، ثم تطلعهم إلى أسلمة القضية بعد فشل تعريبها فكانت النتيجتان أشبه بجعجعة بلا طحن. ويتطلع الآن إلى المجتمع الدولي ويرحب بتدويلها.
نسي في المرات الثلاث أن كلاً من الأمة العربية، والأمة الإسلامية، والمجتمع الدولي، كيانات افتراضية (Virtual) غير موجودة في الواقع، وإنما الموجود أقطار يغني كل منها على ليلاه أو يبكي على قتلاه لا تستطيع أو لا تريد الاجتماع على قلب أو عقل واحد في هذه القضية. لقد فشل كل منها منفرداً أو بالشراكة في تحرير فلسطين أو حتى صيانة شبر من فلسطين من الاغتصاب.
يبدو أن الشعب الفلسطيني والعرب والمسلمون ينسون الآن أن أميركا ليست سوى إسرائيل الكبرى التي لا تحترم القانون الدولي عندما تعارضه إسرائيل. ها هو الرئيس الأميركي البلطجي الأحمق ترامب يقدم قانونه على القانون الدولي فيشطف الثاني بالأول ويتخذ قرارين قذرين معاً به أزكمت رائحتهما الدنيا، وهما الاعتراف بسيادة إسرائيل على القدس: غربييها وشرقيها، ونقل سفارة أميركا إليها، فماذا أنتم فاعلون أيها الإرهابيون!!!! هكذا يقول في نفسه.

التعليق