ماجد توبة

بين ترامب والبغدادي تذوب المسافات!

تم نشره في الاثنين 11 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:04 صباحاً

من بين مختلف التحليلات والتفسيرات لاندفاع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاتخاذ قراره بالاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة للكيان الإسرائيلي ونقل سفارته إليها رغم كل المحاذير والاعتراضات التي قدمتها مؤسستا الخارجية والدفاع الأميركيتان، يبدو التفسير الذي ربط الخطوة بضغوط وتأثير اليمين الأميركي المحافظ، وتحديدا طائفة "المسيحيين الإنجيليين"، هو الأكثر واقعية ومنطقية لقراءة التحول الأميركي الخطير، الذي أدخل السياسة الأميركية ذاتها بمواجهة سياسية ودبلوماسية مع العالمين العربي والاسلامي وحتى مع المجتمع الدولي.
المشهد السينمائي الذي أُخرج به توقيع ترامب على قراره المشؤوم، حيث وقف في خلفية الصورة نائبه مارك بنس منتشيا ومتوهجا، يذكّر، بلا مبالغة، بوقوف المدعو  أبو بكر البغدادي على منبر خلافة "داعش" المزعومة بالموصل قبل أكثر من عامين، ليعلن تقسيم العالم إلى فسطاطين؛ المؤمنين والكافرين، وليعلنها حربا شعواء على كل هؤلاء "الكفرة"، وهم يشملون كل من هو خارج تنظيمه الإرهابي المتحجر.
لم يختلف موقف ومنبر ترامب كثيرا الأربعاء الماضي، وهو يقف ليعلن على الملأ بأجواء احتفالية، تحقيق "وعد الله" بالاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة "للشعب المختار" وفق أوهامه التلمودية اليمينية المتطرفة، وليتحدى كل العالم بمسلميه ومسيحييه ودوله وشعوبه بتمزيق وثيقة الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن وبتقديم خزعبلاته وأيديولوجيته المتطرفة، التي وعد بها اليمينين اليهودي والمسيحي المتطرفين خلال الانتخابات، وليقرع من حيث يدري أو لا يدري طبول حرب دينية شعواء، تنظر لها وتقودها عادة قلة مجنونة متطرفة وتدفع ثمنها غالبية بريئة معتدلة.
التقارير الواردة من الولايات المتحدة توسعت بالحديث عن التأثير العميق على ترامب ونائبه ومفاصل رئيسية بإدارتهما المهووسة من قبل اليمين المسيحي المتطرف، المتمثل بطائفة "المسيحيين الإنجيليين"، والتي يقدر عدد اتباعها بنحو 50 مليون أميركي، ممن يؤمنون، وبالضد من باقي الطوائف المسيحية وأغلبية المسيحيين في الأرض، بالنص الحرفي للإنجيل، وبأن الرب منح فلسطين للشعب اليهودي، ويدعون لسيطرة اليهود على كل فلسطين والقدس، ليس حبا باليهود، بل إيمانا وتمنيا لعودة السيد المسيح في ألفيته الأخيرة ونهاية الزمن بعد أن يسيطر اليهود على القدس ويخيروا بين اعتناق المسيحية أو غضب الله!
أتباع الطائفة المسيحية الإنجيلية صبوا بقوة في الانتخابات الأخيرة لترامب ودعم حملته، وما تزال عينا ترامب ونائبه بنس، الذي تفيد تقارير أميركية بأنه ينتمي لهذه الطائفة، على المسيحيين الإنجيليين واللوبي اليهودي واليمين الأميركي للعودة للبيت الأبيض في ولاية ثانية. كما أن هذه الطائفة تملك مؤسسات تنظيمية فاعلة ومثابرة بحثا عن التأثير بالقرار السياسي، قد وجدت ضالتها بترامب وإدارته، التي تضم عددا وازنا من عتاة اليمينين المسيحي واليهودي المتطرفين، وقد بدا تأثيرها واضحا أيضا بقرار ترامب قبل أشهر بتعيين القاضي نيل غورسيش (المحسوب على المسيحيين الإنجيليين) بالمحكمة العليا، أعلى هيئة قضائية، ما رجح كفة المحافظين بهذه المؤسسة القضائية الكبرى.
كم هو عالم منكوب، ففي الوقت الذي كان فيه العالم يحتفي ببشائر القضاء على "داعش" وتطرفها، يكتشف هذا العالم أن "أبو بكر بغدادي" آخر يقطن البيت الأبيض، تداعب أحلامه أوهام تلمودية متحجرة ومتطرفة ومثيرة للكراهية ولا ترعوي عن المس بأقدس مقدسات المسلمين والمسيحيين، لإرضاء اليمينين الأميركي والصهيوني، ودون أي شعور بالمسؤولية أمام نذر إشعال حرب دينية، وأمام منح التنظيمات المتطرفة المقابلة كـ"داعش" والقاعدة اكسير حياة جديدا، وليذهب العالم واستقراره إلى جهنم!
اليوم، يبدو أن العالم يقف حقا على أبواب مرحلة تصعيدية جديدة من حروب الكراهية وصراع الحضارات، حيث يتقدم اليمين المتطرف لصدارة المشهد والتأثير في غير مكان ودولة وقارة، فيما يتقدم رئيس أكبر دولة في العالم ليحتل مكان "البغدادي" في صدارة الانعزالية والتطرف والخرافة!!

التعليق