جهاد المنسي

من نقل السفارة؟!

تم نشره في الاثنين 11 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:03 صباحاً


منذ الحملة الانتخابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يتحدث عن عزمه تطبيق قرار الكونغرس الأميركي الصادر العام 1995، والذي تضمن نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة.
هذا يعني أن القرار الأميركي صدر قبل توقيع ترامب عليه والذي تباها بتوقيعه أمام عدسات الإعلام، وله في أدراج الكونغرس 22 عاما ونحن كأمة عربية وإسلامية نعرف به ولكننا لم نستطع تبديله أو إلغاءه، وهذا يعني أيضا أن الإدارات الأميركية المختلفة (جمهوريين وديمقراطيين) لم تفكر لحظة برغبات دول عربية وإسلامية، وكان اللوبي الصهيوني في واشنطن أقوى وأشد تأثيرا من رغبات وأمنيات ورغبات كل دولنا العربية والإسلامية مجتمعة، دون الاكتراث بححم المليارات العربية التي يحصل عليها الأميركان من خزائن العرب.
ماذا فعلنا كعرب ومسلمين خلال كل تلك الفترة، وماذا استفدنا كعرب ومسلمين من علاقات جيدة مع واشنطن؟ وماذا قدمت لنا أميركا جراء سماح الأمتين العربية والإسلامية لها بناء قواعد عسكرية في أرضنا العريية، وانحيازنا لها خلال الحرب الباردة، وشراء أسلحتها بمئات المليارات من الدولارات، ومنح شركاتها حق التنقيب عن نفطنا وغازنا في مناطقنا العربية.
ترامب كان واضحا معنا ولم يجد فن الرقص على الحبال كما كان يفعل من سبقوه، فوقع على قرار صدر منذ حين، ووضعنا أمام حقيقة سكوتنا طوال تلك الفترة عن موقف الكونغرس وانحيازه للكيان الصهيوني، وأمام واقع مؤلم مفاده أن واشنطن غير معنية بنا بالمطلق، وأن كل ما كنا نشهده طوال تلك السنوات كان عبارة عن مشهد تمثيلي حينا من قبل واشنطن، وحينا آخر من قبل دولنا العربية والإسلامية.
إذا؛ ماذا نتوقع من الولايات المتحدة بعد ذاك؟ هل مانزال نرى في واشنطن راعية للسلام في المنطقة؟ وهل ما نزال ننظر للراعي الأميركي كوسيط محايد للسلام؟!، وهل ما نزال نأمل أن تخرج من واشنطن سواء جلس على كرسي الرئاسة ترامب أو غيره قرارات من شأنها أن تصب بمصلحة القضية الفلسطنية؟ّ!
أمام هذا الواقع علينا أن نعي ونفيق بأن القصة لا تكمن في ترامب وحده، فترامب جاء ليوقع، القصة أكبر من ذاك بكثير. قصتنا أن الولايات المتحدة بكل رؤسائها منحازة بالمطلق للكيان الصهيوني، وواشنطن هي الراعية له والحامية لوجوده، وتدعمه بالمال والسلاح، وباستخدام حق النقض (الفيتو) بمجلس الأمن.
الصحيح أن توقيع ترامب على نقل السفارة إلى القدس، والاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني، ضرب عرض الحائط بكل قرارات الشرعية الدولية، وتحديدا ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، ومنها قرارات 242 و338 وغيرها من قرارات ذات علاقة بالقدس، وكلها تعترف بأن القدس محتلة، ما يعني ان أميركا ورئيسها باتوا غير ملزمين بالشرعية الدولية أن كان الأمر يتعلق بالكيان الصهيوني، وتتشدق بالشرعية الدولية والقرارات الأممية إن كان ذاك يتعلق بسورية وليبيا ودول عربية أخرى.
وفقا لذاك المعطى الذي تعامل معه ترامب فإن الكيان الصهيوني الذي جاء بقرار أممي بات غير ملزم للعرب والمسلمين إن كانوا جادين بنصرة القدس، وعليهم سحب اعترافهم بقرارات 242 وغيرها من قرارات أممية أوجدت شرعية للكيان في فلسطين المحتلة، ووضعت أرضية لحل الدولتين، وليعيدوا الأمور لبدايتها والمطالبة بكل فلسطين، وعلينا التوقف عن الحديث عن مبادرة السلام العربية وإلقائها خلفنا بعد انتفاء وجود وسيط أميركي محايد.
إن كنا كعرب ومسلمين ومسيحيين سنفرط بالقدس ونسكت، ونكتفي بالبيانات والتصريحات، فيما لا نعرف كيف يكون الموقف في الغرف المغلقة، فإن القدس ستهود وتدنس، وينتهك المسجد الأقصى، فالحل ليس بالتصريحات وحدها، وإنما بممارسات عملية واضحة للجم السياسة الأميركية المنحازة.
الحقيقة أمام عدسات الإعلام أن ترامب وقع على نقل السفارة، ولكن الأمر المفقود أن من نقل السفارة هو صمتنا طوال السنين الماضية عن سياسات أميركا المنحازة بالكامل للكيان الصهيوني، وتأييدها المعلن والمخفي لسياساتها في الأرض المحتلة.

التعليق