حنان كامل الشيخ

"فاطمة نمر" المقدسية

تم نشره في الثلاثاء 12 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

ماذا سيقنع سيدة يناهز عمرها الثمانين عاما، بأن نافذة بيتها المطلة على صحن بيت المقدس ولو من بعيد، قد أصبحت مهددة بنهايات أليمة، ألطفها إغلاق النافذة إلى الأبد؟
خمسون درجة حجر عالية تفصل باب منزلها المعلق فوق تلة، في جبل الطور المقدسي العتيق، عن الشارع المؤدي زقاقه إلى باب الحرم من دون أن تتعرض إلى حواجز تذكر في الطريق. خمسون درجة من النوع الذي تحتاج لأن تلتقط أنفاسك عليه حتى وأنت تغادر البيت نزولا، اعتادت عليه “أم عبير” وكأنه القدر المزعج الأوحد والممكن احتماله، في سبيل الوصول إلى باب العامود مبكرا، قبل أن تغادر بسطات التين والصبر صباحاتها الندية الشهية.
في كل مرة تحلف أيمانها المغلظة بأنها لن تمر من هذه البوابة تحديدا في طريقها إلى صلاة الجمعة، كان صوتا لئيما يقض مضاجع سماعة أذنها، بأن أيمانها لن تذهب أدراج الرياح، طالما تفوهت بها داخل السور، فتستغفر ربها بسرعة، وتسارع إلى الطابور الطويل.
تقسم برب العزة أنها ستدخل بيت الله من الأبواب الأخرى، تلافيا لرائحة الكعك والفلافل تتشعبط بها ابنتها كطقس مقدس للجوع، ولمعاندة أمها المستعجلة. إنما ومن بعد أمتار عدة داخل السور، تنسى “فاطمة نمر” تعبها الموعود أمام الحاجز، بمجرد أن تلتقط عيناها العسليتان، بائعات التين والجوافة والنعنع، المفترشات طريق الرحلة إلى بوابة الأقصى، وتنسى معهن أيضا أرقاما فلكية ظهرت اليوم على شاشة جهاز قياس السكر، وكأن الأمر لم يعد يعنيها كثيرا طالما امتلكت يوما آخر في هذه الحياة، سمح لها بالسجود داخل الحرم، في جمعة جديدة.
ماذا سيقنع هذه السيدة بأن طقوسها المتقاطعة مع مثيلاتها الواقفات على باب الحاجز، في انتظار الدور لإظهار بطاقات الهوية، سوف تمضي إلى غير رجعة، حارمة إياهن من متعة شتم المجندات بألفاظ خادشة للحياء، بالتزامن العجيب مع ترديد آية “وجعلنا من بين أيديهم سدا” في وجوه جنود الاحتلال، كإجراء ساحر وقاطع للمرور إلى المسجد من دون أن تفرفط أرواحهن في إجراءات التفتيش والتسلية بخلق الله؟
في مرة قالت لي إن مجندا ماكرا التقطها وهي تتمتم بشفتيها بدون أن يسمعها أحد، فقال لها إنه يعرف موضوع “سدا ومش سدا” الذي تبخه في وجهه!
في الباحة هناك، تمارس “أم عبير” هواياتها الأبدية في جمع الصور المتحركة أمامها على عجل، ومعرفة أسرار وحكايات مدينة القدس التي غابت عنها لأسبوع كامل، وهي معلقة ما بين خمسين درجة عالية والسماء، قبل أن تلتقط ابنتها مكانا مميزا للصلاة، بالقرب من جارة قديمة أو صديقة عائدة في زيارة أو سيدة وحيدة، ستتبادل معهن أحاديث مفتوحة على أي حال، وهن قابعات في مكانهن بعد السلام.
أعرف شخصيا هذه السيدة الرائعة، وأعرف حجم التنهيدة الطويلة التي ستسبق دعاءها على ترامب “الأصفر” كما سيحلو لها أن تسميه مع زميلات سجادة الصلاة، بعد أن يتباحثن في آخر المستجدات السياسية في المنطقة. أعرف أن دعوات متناسقة ستتبع تنهيدات متوالية، من خوف بدأ بالتسلل إلى النقطة التي تصدق الأشياء في عقلها، بأنه عليها أن تحفظ الصور والأصوات جيدا في مقلتي قلبها، ولو أنه حزين جدا. ستغلق على القصص كل ليلة بين جفنيها وهي تستعد للنوم، وفي الخلفية أصوات متداخلة لبائعات النعنع اللحوحات، لأجراس بعيدة وعجلات عربات الخردة، لإغلاق باب حديدي وتكبيرات الصغار، لابنتها تستعجلها صعود الدرج لتلحق بث القمة المباشر، صفير جهاز السكر معلنا عن تخطي حاجز الأربعمائة، لرنة “الماسنجر” تستحثها البقاء في البيت هذه الأيام، دقة منبه صلاة الفجر، وتلاوات لأصوات نسائية غريبة تردد “وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا، فأغشيناهم فهم لا يبصرون”.

التعليق