ما بعد اجتماع "أوبك"

تم نشره في الثلاثاء 12 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً

ترجمة: ينال أبو زينة

عمان- في معظم الحسابات، اختتمت منظمة الدول المصدرة للنفط –"أوبك" اجتماعها في 30 الشهر الماضي بالاتفاق على تمديد تخفيضات الإنتاج مدة تسعة أشهر إضافية، ستجري حتى نهاية العام المقبل، مع استثناء إنتاج ليبيا ونيجيريا قدر الإمكان. وفي الوقت ذاته، أعلنت المجموعة أنها ستواصل مراقبة التغيرات الجارية في الأسواق العالمية، واستعراض الاتفاق المقرر إبرامه في اجتماعها المقبل في شهر حزيران (يونيو) المقبل.
وكان الخبراء حذروا، في الفترة التي سبقت الاجتماع الأخير، بأن فشل "الأوبك" في الاستجابة "لتوقعات السوق" بتمديدها التخفيضات يحتمل أن يتسبب بانهيار الأسعار مجددا. وفي الواقع، لم يسفر الاجتماع عن أي تقلبات، مع مواصلة خام برنت في التداول فوق سعر 63 دولارا للبرميل الواحد، رعم أنه علينا أخذ الحيطة من أن الأسعار المرتفعة باستمرار قد تقود في نهاية المطاف إلى إعادة نشوء مشاكل العرض المفرط الدورية.
وتضافرت عدة عناصر هذا العام لجعل استراتيجية "أوبك" فعالة في التخلص من الفوائض النفطية المعروضة عالميا (من حيث التخزين)، والتعيل بإعادة التوازن إلى أسواق النفط العالمية. ومن أبرز هذه العناصر القيادة السعودية والالتزام بمستويات الإنتاج والتصدير، والامتثال العام بين أعضاء المنظمة، ما أدى إلى ارتفاع الطلب العالمي ومواصلة روسيا المشاركة في هذا الاتفاق.
وحددت اتفاقية تشرين الثاني (نوفمبر) العام الماضي هدفا إنتاجيا قويا معاديا للإنتاج في إيران، ووعدا روسيا بالتعاون ما تزال تلتزم به (وإن جاء ذلك متأخرا نوعا ما). ويعتقد الخبراء الفنيون في أمانة "أوبك" أن إيران لن تشهد، إلى جانب العراق وليبيا ونيجيريا، مكاسب كبيرة في إنتاجها خلال العام المقبل، في حين يمكن للمشاكل في أنغولا وفنزويلا أن توفر للمجموعة بعض المساندة الإضافية. غير أن تعقيد الاعتبارات المتعلقة باستمرار المجموعة بتحديد الإنتاج يدور حول التقسيمات الدخلية للمصالح الاقتصادية بين الحكومات والشركات في هذه الدول.
وبسبب الطريقة التي يعمل بها النظام الضريبي في روسيا، تتمتع الحكومة المركزية بمعظم الفوائد المادية للسعر الذي يتجاوز الـ40 دولارا لبرميل النفط (وهو بالمناسبة السعر الذي تستند إليه ميزانيتها الوطنية)، في حين تحتاج الشركات الروسية إلى الحفاظ على أو زيادة إنتاجها من أجل تبرير الاستثمارات التي صنعتها في التنقيب عن النفط وتنمية وتحسين الحقول. وبدرجات مختلفة، فإن هذا صحيح أيضا بالنسبة لبعض الدول داخل مجموعة "الأوبك" والدول غير الأعضاء فيها مثل (كازخستان وأذربيجان)، حيث الشركات الأجنبية تدير معظم الإنتاج.
وتفيد الشروط التعاقدية عموما الحكومات المستضيفة ماليا بشكل لا يتناسب مع الشركات عندما ترتفع أسعار النفط، بينما تعمل الشركات الأجنبية على أساس هامشي يتطلب نموا في الحجم من أجل زيادة الأرباح وتبرير الاستثمارات الجديدة. ويسهل التغلب على هذه التوترات الداخلية عندما تكون الأسعار أقل من 30 دولارا للبرميل حقيقة، كما كانت الحال في كانون الثاني (يناير) من العام الماضي، عندما تأثرت كل من الحكومات والشركات بشدة. ومع ذلك، فإن الحفاظ على الانضباط الإنتاجي داخل الائتلاف بين دول "أوبك" والدول غير الأعضاء فيها يحتمل أن يشكل تحديا أكبر عند سعر الـ60 دولارا للبرميل أو أكثر.
وعلى الرغم من أن اجتماع "أوبك" عقد في فيينا، النمسا، كان حوض بيرميان ومناطق الصخر الزيتي الأميركية حاضرا بوضوح في أذهان المندوبين. فبصرف النظر عن الاختلافات الواضحة في نوعية وخصائص الخامات النفطية، يشاهد الارتفاع المتوقع في إنتاج نفط الصخر الزيتي الأميركي وتصديره كتهديد لأعضاء "الأوبك"، الذين تنازلوا طوعا عن حصصهم في السوق من أجل استنزاف المخزونات العالمية بغية إعادة التوازن لأسواق النفط.
وكان هذا أهم مواضيع حلقة العمل الفنية بشأن تشديد النفط، والتي عقدتها "أوبك" قبل أسبوع من دورتها الموسمية، والمخصصة بشكل خاص لدراسة آفاق إنتاج نفط الصخر الزيتي الأميركي.
وبطبيعة الحال، تدرس كل كلية أعمال مدى أهمية التحليل التنافسي في تصميم خطة عمل جيدة، وكانت ورشة العمل حول الصخر الزيتي في ضوء ذلك جزءا من استراتيجية "أوبك" الرامية إلى البقاء على علم بالمجريات. وسوف تحتاج "أوبك" إلى رصد التطورات في حوض بيرميان و"أناداركو" وغيرها من الأحواض عن كثب للتأكد بأن الأسعار لا تشجع إنتاج نفط الصخر الزيتي الأميركي كثيرا، أو تقوض نمو الطلب الذي ما يزال يواصل حتى الآن. وتلزم أيضا مراقبة تضخم التكاليف، ومعدلات إعادة الاستثمار، والاتجاهات الإنتاجية مع تعديل خطط الإنتاج الخاصة بـ"أوبك" على أساسها بشكل سريع.
وكان خام برنت ما يزال يتداول بالقرب من سعر 45 دولارا للبرميل في شهر أيار (مايو) العام الحالي، عندما تم تجديد صفقة أوبك بسرعة. والآن، دفع التخفيف البطيء لموجودات المخازن العالمية مقترنا بإعادة التوازن بين العرض والطلب بأسعار برنت عاليا إلى أكثر من 60 دولارا للبرميل في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.
وفي حين تختلف التقديرات بشأن الإنتاج الأميركي في السنوات القادمة كثيرا، تقول التقارير إن مستويات الأسعار في الربع الثالث من العام الحالي قادت إلى تحويط 900 ألف برميل نفط في اليوم على أساس سنوي (ما زود المنتجين بالتدفقات المالية)، وأن الآبار التي تم حفرها لكنها لم تكتمل بعد تتجاوز في عددها الآن 8 آلاف بئر.
وفي الطرف الآخر من المسألة، فإن الشواغل المتواصلة بشأن عدد لا يحصى من المسائل يمكنها أن تحد من تحقيق توقعات الإنتاج. وبين هذه المشاكل، هناك التداخل بين الإيجابيات والسلبيات والانتقاص للهياكل الأساسية الجاهزة وتوافر المياه، فضلاً عن مشاكل الموظفين والتشكيلات الزائدة عن الحاجة والقلق العام المتعلق بتلوث المياه وغيرها من المشاكل الأخرى.
ومن ثم هناك قضية "استراتيجية خروج" "أوبك" وكيف أنها تعيد النظر في الأحجام الحالية المحتجزة عن السوق وفيما إذا كانت النزاعات الجيوسياسية أو الأسعار الأعلى ستقوض المستويات الحالية للتعاون والإلتزام.
ويبدو أن الروس قلقون حيال ارتفاع أسعار النفط بشكل أسرع من اللازم لتحمس انتاج هائل في نفط الصخر الزيتي، مما قد يضرب التوقعات الروسية التي تخص نمو قدرتها في 2019-2020. ويخشى السعوديون بلا شك ذلك أيضا، لكنهم أكثر تركيزا على هدف تخفيض الاحتياطيات العالمية خلال 2018، وهي فترة تنطبق أكثر على المعروض العام الأولي لـ"أرامكو" السعودية.
وكما تمت الإفادة به تماما، لم يكن هناك أي توافق آراء في ورشة العمل حول نمو نفط الصخر الزيتي الأميركي في 2018-2019، كما وبقيت التحليلات البحثية عبر الصناعة منقسمة بشأن النتائج والتوقيت. وقد أدام اجتماع أوبك الأخير بلا ريب أسعارا أعلى وأيام سعيدة للمنتجين، ولكن على المدى الطويل، هناك ما يبرر وجود مذكرة تحذيرية. فبغض النظر عن تمديد الاتفاق الرسمي إلى نهاية العام المقبل، يمكن لاثبات نفط الصخر الزيتي الأميركي من ازدهار أكثر من المتوقع حاليا أن يسفر عن تعديلات في منتصف دورة الصيف المقبل عندما يجتمع الوزراء في فيينا يوم الـ22 في حزيران (يونيو) المقبل.

"مركز الدراسات الاستراتيجية الدولية، آدم سيمنيسكي"

التعليق