فرصة أوروبا للقيادة في مجال الروبوتات والذكاء الاصطناعي

تم نشره في الثلاثاء 12 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً

غاي فيرهوفشتات*

بروكسل - منذ أن اخترعت ماري شيلي الشخصية الأدبية الرئيسية، فيكتور فرانكنشتاين من رواية فرانكنشتاين ووحشها الشهير في العام 1818 على الأقل، أصبح لدى البشر هوس كبير بالكائنات التي يصنعها الإنسان، والتي يمكن أن تهدد وجودنا. ومن المسلسل الأميركي المقتبس من "ويست وورلد" الذي يصور متنزهاً يسكنه الرجال الآليون، إلى سلسلة أفلام "تيرمينيتور" التي تصور آلات فائقة الذكاء تعمل على تدمير البشرية، ونحن كثيراً ما نطلق عنان مخيلتنا المنطوية على الخوف الشديد من أن إبداعاتنا التكنولوجية الخاصة قد تتحول ضدنا.
في كتاب هومو ديوس، يقول يوفال نوح هراري من الجامعة العبرية، إن التقدم التكنولوجي القائم قد وضع البشرية بالفعل على طريق زوالها؛ حيث إن التطورات في خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تتخذ قرارات أفضل من البشر والهندسة الوراثية، كلها تعني أن معظم البشر سوف يكونون زائدين على الحاجة في المستقبل غير البعيد.
وفي مؤتمر قمة الإنترنت في لشبونة الشهر الماضي، ناقش الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ التهديدات والفرص التي تنتظرنا. وقال هوكينج: "إن النجاح في خلق ذكاء اصطناعي فعال يمكن أن يكون أكبر حدث في تاريخ حضارتنا أو الأسوأ على الإطلاق". وأضاف أن المشكلة هي "أننا لا نعرف، ولا نستطيع أن نعرف ما إذا كنا سنتلقى المساعدة بلا حدود من الذكاء الإصطناعي، أم أنه سيتجاهلنا أو يهمشنا -أو حتى يدمرنا".
وعلى الرغم من تحذيراتهم الصارخة حول الآثار المحتملة للتكنولوجيات القائمة، يعتقد كل من هوكينغ وهراري بأنه ما يزال لدينا الوقت لتشكيل مستقبل لأنفسنا. وسوف تثير التغييرات المقبلة عدداً من الأسئلة ذات الصلة بالنسبة لواضعي السياسات: ماذا سيعني انتشار الروبوتات والذكاء الاصطناعي للدفاع والأمن أو مستقبل التوظيف؟ وما هي القواعد التي تضمن أن تكون هذه الابتكارات مفيدة بشكل جماعي؟
حتى الآن، كان النقاش السياسي السائد حول هذه المسائل محدوداً. وليس هذا مفاجئاً؛ فقد رأينا في استنساخ الحيوانات أن السياسة عادة ما تتخلف عن ركب العلم. وفي الاتحاد الأوروبي، كثيراً ما تعتمد لوائح السوق الموحده على سنوات من التقدم العلمي الذي جعلها ضرورية. ولكن، عندما يتعلق الأمر بالروبوتات والذكاء الاصطناعي، فإنه ليس هناك مجال للتردد.
لحسن الحظ، كما أشار هوكينغ، فإن بعض صناع السياسات الأوروبيين قد بدأوا بالفعل أعمالاً تشريعية في هذا المجال. وقد اعتمد البرلمان الأوروبي في شباط (فبراير) من هذا العام قراراً يدعو إلى وضع قواعد جديدة تنظم الذكاء الاصطناعي والروبوتات. ونحن نطلب من المفوضية الأوروبية أن تقترح تدابيراً يكون من شأنها تعظيم الفوائد الاقتصادية لهذه التكنولوجيات، مع ضمان مستوى قياسي من السلامة والأمن. وعلى الرغم من أنني لا أوافق على بعض المقترحات المعروضة حالياً، فإن حقيقة أننا نجري على الأقل مناقشة بشأن هذه المسألة يعتبر تطوراً إيجابياً.
بينما تنظر البلدان الأخرى أيضاً إلى القواعد الجديدة للروبوتات والذكاء الاصطناعي، فإن لدى الاتحاد الأوروبي فرصة فريدة لتولي زمام المبادرة. فمن خلال العمل الآن، يمكننا أن نضمن أن الاتحاد الأوروبي لن يضطر إلى اتباع الأطر التنظيمية التي تضعها البلدان الأخرى. وفي نهاية المطاف، سوف تكون هناك حاجة إلى قواعد عالمية، ولدى أوروبا الفرصة لوضع المعايير التي يجب أن تبنى عليها تلك القواعد.
أولاً، سوف نحتاج قريباً إلى تحديد الوضع القانوني للروبوتات، حتى نتمكن من تحديد من هو المسؤول عن أي ضرر قد تتسبب فيه. وعلاوة على ذلك، وكما حذر مؤسس شركة مايكروسوفت ورجل الأعمال الخيرية، بيل غيتس، فإن من المرجح أن تقضي الروبوتات والخوارزميات المتقدمة على العديد من الوظائف. وفي الواقع، يقدر المنتدى الاقتصادي العالمي أن خمسة ملايين وظيفة في 15 بلداً متقدماً سوف تتحول إلى الأتمتة بحلول العام 2020.
بالنظر إلى أن التغييرات الجارية في وسائل الإنتاج قد أطلقت هذا التوجه، اقترح غيتس والبعض في البرلمان الأوروبي أن يتم فرض ضرائب على الروبوتات لدفع ثمن الخدمات البشرية. أما إذا كان هذا هو الحل الأفضل، فهو الآن موضوع نقاش عميق، لكن من الواضح أن هناك حاجة إلى حلول وسط في هذا المجال.
سوف تقوم الروبوتات والذكاء الاصطناعي أيضاً بإثارة القضايا الأخلاقية العميقة للسياسيين الليبراليين، وخاصة فيما يتعلق بالخصوصية والسلامة. ولحسن الحظ، فإن هناك توافقاً سياسياً أشمل بشأن هذه المسألة مقارنة بمسألة فرض الضرائب. وقد اقترح البرلمان الأوروبي وضع مدونة سلوك طوعية للمهندسين وغيرهم من العاملين في مجال الروبوتات، وهناك حاجة إلى معايير أخلاقية وكذلك قانونية لضمان أن تكون الروبوتات والتكنولوجيات ذات الصلة مصممة بشكل يأخذ بعين الاعتبار احترام كرامة الإنسان.
وأخيراً، دعا البرلمان الأوروبي المفوضية الأوروبية إلى النظر في إنشاء وكالة جديدة على مستوى الاتحاد الأوروبي للروبوتات والذكاء الاصطناعي، لتزويد الموظفين العموميين بالخبرة الفنية والأخلاقية والتنظيمية. ومن وجهة نظري، سوف تكون هذه خطوة منطقية في الاتجاه الصحيح نظراً إلى أن ما يقدر بنحو 30 % من الشركات القيادية في العالم سوف توظف مسؤولاً رئيسياً في مجال الروبوتات بحلول العام 2019.
من شبه المؤكد أن التقدم التكنولوجي اليوم سوف يكون له تأثير عميق على حياتنا وسبل عيشنا على غرار ثورة صناعية جديدة. ومن خلال وضع اللوائح والمعايير الآن، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يضمن استفادة جميع الأوروبيين من التغييرات المقبلة بدلاً من أن تجتاحهم الفوضى.

*رئيس سابق لوزراء بلجيكا، ورئيس تحالف الليبراليين والديمقراطيين لمجموعة أوروبا (ألد) في البرلمان الأوروبي، ومؤلف كتاب "آخر فرصة أوروبا: لماذا يجب على الدول الأوروبية تشكيل اتحاد أكثر مثالية".
*خاص بـ ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق