حين تغيّر التكنولوجيا عالم العمل والأعمال

تم نشره في الثلاثاء 12 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً

فريق حوار الشرق الأوسط

إن الوتيرة المتسارعة للتغيير الذي تقوده التكنولوجيا تخلق التحديات ومعها أيضًا الفرص للشباب في مكان العمل. يبحث فريق حوار الشرق الأوسط كيف يمكن لمثل هذه التغييرات أن تؤثّر على الشباب في العالم العربي.
"أولادنا لا يحتاجون إلى أجهزة الكمبيوتر ومفردات التكنولوجيا بل إلى وجبة طعام ساخنة ومعطف دافئ". هذه حجة يسمعها كلّ من عمل في مجال نشر التكنولوجيا والمعرفة في المجتمعات الفقيرة بالشرق الأوسط. إلا أن الردّ عليها دائمًا هو: "إذا أعطيت الإنسان سمكة، فأنت تطعمه ليوم واحد؛ أما إذا أعطيته قاربا وصنارة، فستكفل له المعيشة طوال حياته".
والأمر نفسه ينطبق على التكنولوجيا؛ فعندما دخلت شبكة الإنترنت العالم العربي في تسعينيات القرن العشرين لأول مرة، قُوبلت هذه الشبكة الجديدة بمقاومة شرسة، حيث قيل حينها إن الإنترنت ستجلب معها محتوى مرفوضا وأفكارا ومعتقدات غربية. وبتأمل هذا الطرح في الوقت الراهن، بالطبع ثبتت صحته. مع ذلك، يمكن لأي ناظر إلى تاريخ المنطقة على مدى العقدين الماضيين أن يلحظ التغيير الإيجابي الهائل الذي نجم عن الإنترنت والتكنولوجيا المتصلة بها، بل وأيضًا لا يزال أمامنا الكثير من الإمكانات التي سنكتشفها في المستقبل.
على سبيل المثال، لا يقتصر استخدام الشركات الناشئة في المنطقة للقوة التمكينية للإنترنت على إعداد نماذج العمل فحسب، بل تدخل الإنترنت أيضًا في طريقة أداء هذه الشركات لعملها. ولا تحتاج الشركات اليوم سوى إلى بضعة كراسٍ ومنضدة مكتب واتصال بشبكة الواي فاي - الحاجة الأساسية التي أسهمت في الدفع قدمًا بـ"مساحات العمل" في المنطقة. ولا تعدو إمكانيات هذه المساحات غالبًا عن تجهيزات المقهى وجهاز راوتر. إذًا، لم يعد العمل معتمدًا على الموقع المادي، وبات بالإمكان تعهيد مهام العمل على المستوى الإقليمي بل والدولي أيضًا.
 فالأطباء في الولايات المتحدة يرسلون اختبارات الأشعة لتحليلها في الهند، ويتلقون النتائج بشكل أسرع وأقل تكلفة. وتقوم شركات في الكويت بتعهيد متطلباتها من تصاميم الغرافيك إلى مصممين وفنانين في لبنان، فيما تستخدم شركات سعودية برمجيات مستضافة عن بعد يوفرها لها مطوّرون في الأردن. واليوم، بات الكثير من الأعمال مثل تطوير البرمجيات وتطوير المواقع الإلكترونية، وأشغال أخرى مثل الترجمة وإنشاء المحتويات الإعلامية، تتم عن بعد من خلال تعامل الشركات في الشرق الأوسط مع مواهب حرّة عبر الإنترنت. وقد منحت هذه الطريقة الشبكية في العمل الشركات وروّاد الأعمال المزيد من المرونة والقدرة على التوسع بدون التكلفة الإضافية التي قد تنجم عن استخدام موظفين بدوام كامل وتأمين أماكن للعمل وغيرها من النفقات العامة والمخاطر المرتبطة بالتوظيف بغية تلبية التوسع المرتقب.
يُطلق أحيانًا على هذه الطريقة الجديدة في إدارة العمل "اقتصاد المشاركة" وقد خلّفت آثارًا ملحوظة، حيث تتحدّى شركات مثل "أوبر" و"أبوورك" المنظومة القديمة السائدة في العمل. ولا يزال هذا القول المأثور منطبقًا على الواقع: "أوبر" أكبر شركة سيارات أجرة في العالم لا تملك أي سيارة، و"فيسبوك" أوسع ناشر في العالم لا تنشئ أي محتوى، و"أمازون" أضخم متاجر التجزئة في العالم لا تملك أي بضاعة، و"إير بي إن بي" أكبر موفر لأماكن الإقامة في العالم لا تملك أي عقارات. فنحن بحق نعيد رسم ملامح عالمنا بكلّ الطرق الممكنة، وبالطبع عالم العمل والأعمال ليس عصيًا على هذا التغيير.
ستطرأ بالتأكيد بعض القضايا أثناء إعادة رسم ملامح العلاقة ما بين صاحب العمل والموظف، ولكن المحصلة النهائية ستكون إتاحة المجال أمام الأشخاص لتسويق مهاراتهم وقدراتهم حيث سيكون بإمكانهم الحصول على أفضل مكافأة نظير عملهم.
بالطبع كي تكون قادرًا على العمل عبر الإنترنت يجب أن تتمتع أولًا بمهارة يمكنك تسويقها عبرها. وفيما يشهد عالم العمل والأعمال تحوّلات بفعل التكنولوجيا، تكتسب القدرة على استخدام هذه التكنولوجيا والتحكم بها والاستفادة منها أهمية كبرى. ففي عالم أصبحت فيه السيارات ذاتية القيادة حقيقة وحلّت أنظمة الصوت التفاعلية القائمة على الذكاء الصناعي محل الموظفين في مراكز الاتصالات، بات يُطلب من الشباب اليوم أن يلتحقوا بالركب ويتجهوا إلى أتمتة المهام الروتينية. فمهارات الغدّ تتمّثل في الابتكار والقدرة على التأقلم والتكيّف، ويمكن اكتسابها من خلال استخدام الأدوات البرمجية (من برمجيات التصميم والتحرير إلى ترميز صفحات الويب). وبالتالي، من الضروري تعليم الشباب كيفية استعمال هذه الأدوات كي يحققوا النجاح في عالمنا الجديد المتحوّل تكنولوجيًا.
والخبر السار هو أن الإنترنت تقدّم الحلّ لهذا التحدّي أيضًا؛ إذ تُعتبر المساقات الإلكترونية مفتوحة المصادر "المووك MOOCs" وسيلة لتيسير التعلم عبر الإنترنت خارج الغرف الصفية التقليدية. وبحسب أسلوب التعليم التقليدي، يتشارك المدرس معلوماته ومعارفه مع عشرين إلى ثلاثين طالبًا، ولكن في بيئة "الموك"، يمكن لأعداد لا نهائية من الأشخاص الوصول إلى المعلومة التي يتمّ تقديمها. ومع ترجمة محتوى العديد من مساقات "موك" البارزة إلى العربية، بما فيها "كورسيرا" و"أكاديمية خان"، زالت كافة العوائق التي تحول دون وصول الشباب إلى المعرفة، وبات في متناول أيديهم الأدوات التعليمية التي يحتاجون إليها من أجل تحويل الإلمام بالمعارف الرقمية إلى مهارات يمكن تسويقها وبيعها للباحثين عنها سواء في الشرق الأوسط أم حول العالم.

التعليق