د. جاسم الشمري

أحزاب بالجملة!

تم نشره في الثلاثاء 12 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:02 صباحاً

من أهم أسس العملية السياسية الديمقراطية وجود أحزاب تتنافس فيما بينها وفقاً لبرامجها الانتخابية وما يمكن أن تقدمه للمواطن، وبعد حملات انتخابية بمختلف الوسائل يكون القرار– في الحالات الطبيعية الخالية من التزوير- للناخب الذي يقرر في يوم الانتخاب أي حزب سينتخب بعد نجاحه في إقناعه بأفكاره ومفاهيمه وكذلك بإنجازاته وخدماته، والحزب الأفضل يفترض أنه سيتم اختياره في الغالب العام.
وفي الكثير من دول العالم – ربما- هنالك حزب، أو حزبان رئيسيان هما من يتنافسان على المقاعد البرلمانية، وتكون هنالك أحزاب أخرى ربما لا تتجاوز في الغالب العشرة أحزاب، أو كيانات تمثل مختلف شرائح المجتمع.
في العراق لاحظنا أن الحالة الانشطارية وصلت لتشكيل عشرات الأحزاب للمشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، بحيث باتت ظاهرة توالد الأحزاب وتناميها لا يمكن مقارنتها بأي حالة نمو، أو انشطار أخرى في عوالم الأحياء المختلفة في الكون!
وقبل عدة أيام كشف كريم التميمي عضو المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عن " منح 142 حزباً إجازة رسمية لممارسة العمل تبعاً للوائح تأسيس الأحزاب التي أقرها القانون، وأنه من المتوقع وصول العدد الإجمالي للأحزاب السياسية المرخصة إلى 200 حزب من مختلف الاتجاهات، وبضمنها أحزاب كردية وأن أكثر من 40 % منها جديد على الساحة السياسية التي ظهرت بعد 2003".
هذه الوفرة في الأحزاب تعود لعدة أسباب أهمها الشروط المتهاونة المطلوبة لتشكيل أي حزب، والمذكورة في الفصل الرابع من قانون الأحزاب السياسية، والتي بينت في المادة (11)، إجراءات التسجيل، ومنها؛
أولاً- يقدم طلب التأسيس تحريرياً بتوقيع ممثل الحزب أو التنظيم السياسي (لأغراض التسجيل) إلى دائرة الأحزاب، أو تنظيمات سياسية مرفقاً به قائمة بأسماء الهيئة المؤسسة التي لا يقل عدد أعضائها عن (7) سبعة أعضاء مؤسسين ومرفقاً به قائمة بأسماء عدد لا يقل عن (2000) ألفي عضو من مختلف المحافظات، على أن يتم مراعاة التمثيل النسوي.
ثانياً - ترفق بطلب التأسيس الوثائق الآتية:
أ : ثلاث نسخ من النظام الداخلي للحزب أو تنظيم سياسي وبرنامجه السياسي.
ب: تقدم الأحزاب التي تمثل المكونات الاثنية (الأقليات) قائمة بـ(500) عضو يرفقها مؤسس الحزب، أو التنظيم السياسي.
ج: قائمة بأسماء أعضاء الهيئة المؤسسة معززة بتواقيعهم الشخصية ومصدقة من كاتب العدل.
د : صورة مصدقة من هوية الأحوال المدنية وبطاقة السكن لكل عضو من أعضاء الهيئة المؤسسة أو أي وثيقة تحل محلها قانوناً.
هـ: تعهد خطي بفتح حساب مصرفي للحزب أو تنظيم سياسي خلال(30) ثلاثين يوماً من اعتبار الحزب، أو التنظيم السياسي مجازاً.
وهذه جميعها شروط ممكنة التنفيذ، ولذلك – ربما- يمكن لأي شخصية اجتماعية، أو رياضية، أو فنية، أو شعبية، أو حتى لأي عشيرة أن يشكل حزباً سياسياً، وهذه ليست حالة ايجابية وإنما هي فوضى واضحة، ستقود بالمحصلة إلى تمييع أهمية دور البرلمان في حياة الأمم، ولا يمكن معها أن يقوم بدوره التشريعي الرقابي!
صحيح أن هنالك بعض الدول ابتليت بنصف هذا العدد من الأحزاب تقريباً إلا أن الأصح أن الأحزاب تُقاس بمنجزاتها وليس بأعدادها، وكثرة الأحزاب ليست حالة صحية دائماً بل هو نوع من الفوضى السياسية والمتاجرة بقضية الوطن وهمومه، وإلا هل يعقل أن في العراق اليوم هذا الكم الهائل من الأحزاب للدخول في العملية السياسية المسيطر عليها أصلاً من "الأحزاب الكبرى المشاركة في العملية السياسية"، والتي لا نعلم ما هي منجزاتها المقدمة للعراقيين منذ العام 2003؟
إن وجود عشرة أحزاب، أو أكثر قليلاً - وتتنافس فيما بينها منافسة نزيهة وواقعية قائمة على تقديم الأفضل للمواطن- كافية في الساحة العراقية، أما هذه الحالة المنفلتة من الانشطارات القديمة والولادات الجديدة للأحزاب فربما ستسهم في زيادة التخندقات الطائفية والعرقية في العراق.
برأيي أن العراق يستحق الدخول لموسوعة غينيس للأرقام القياسية على اعتبار أنه الدولة التي تمتلك أكبر عدد من الأحزاب السياسية المعترف بها في العالم!

التعليق