من أجل أن تبقى إسرائيل هي إسرائيل

تم نشره في الثلاثاء 12 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • مجموعة من جنود قوات الاحتلال الإسرائيلي - ( ارشيفية)

هآرتس

شاؤول اريئيلي   8/12/2017

"أنت لا تستطيع أن تدخل إلى نفس النهر مرتين"، هذا ما كتبه الفيلسوف اليوناني هركليتوس في القرن الخامس قبل الميلاد. يبدو أنه ليس هناك الكثير من وزراء حكومة إسرائيل وجدوا الوقت من اجل قراءة هذه الجملة القصيرة واستيعاب معناها بخصوص مستقبل الضفة الغربية. ويبدو أنهم يؤمنون بأن الضم من اجل مشروع الاستيطان هو أمر غير مشكوك فيه.
عدد منهم يؤسسون ايمانهم على اعتباره استكمالا لمرحلة "بداية الخلاص" للحتمية الواردة في نظرية الحاخام كوك الذي كتب في لندن في العام 1917 بخصوص وعد بلفور: "كل شخص يمكنه النظر إلى ما هو موجود خلف المظاهر الخارجية الظاهرة للعيان، سيرى أن يد الله هي التي تقود التاريخ ومن شأنها أن تقود هذه العملية إلى نهايتها". ولكن الاغلبية ما زالوا يؤمنون بأن نجاح دولة إسرائيل في الحصول على الاعتراف الدولي بضم المناطق المحتلة في حرب الاستقلال سيكرر نفسه أيضا بالنسبة للضفة الغربية التي احتلتها في حرب الأيام الستة. أو على الاقل هم يؤمنون بأن العالم سيصمت ويعتاد على واقع الاحتلال. ولكن الأمر ليس هكذا.
الهدف السياسي للحفاظ على المناطق التي احتلت من قبل إسرائيل في حرب الاستقلال وخصصت في قرار التقسيم للدولة العربية – عن طريق وضع حقائق غير قابلة للرجعة على الارض والتي اساسها تغيير الميزان الديمغرافي وتخلق هيمنة في المجال – تم تحقيقه في ظل ظروف اساسية مختلفة، وحتى أنها مختلفة عن تلك الموجودة في الضفة الغربية منذ العام 1967. إن قلة الفهم التي تظهرها حكومة إسرائيل بخصوص الفروقات بين الظروف القائمة اليوم والظروف التي سادت في 1949 – من خلال تجاهل الواقع والعوامل الضاغطة على أمل أن يكرر التاريخ نفسه وخلق واقع مرغوب فيه، تقود إلى تحقيق نفس ذلك الهدف السياسي – هي وصفة مؤكدة للانزلاق نحو الكارثة. المقارنة بين الظروف التي سادت في 1949 والظروف اليوم لا تترك أي مجال للشك.
أولا، موقف النظام الدولي. في 1949 كان تأييد النظام الدولي لإسرائيل وخطواتها بسبب عوامل كثيرة: الكشف عن فظائع الكارثة، التي أثارت الشعور القوي بالذنب في دول كثيرة؛ موافقة الييشوف (الاستيطان) اليهودي على قرار التقسيم (181)، المدعوم من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وفي المقابل رفضه من العرب في ارض إسرائيل وفي العالم العربي؛ قيام العرب بشن الحرب من اجل الغاء قرار التقسيم، خلافا لتحذيرات الامم المتحدة؛ رؤية الامم المتحدة التي قالت إن اتفاقات الهدنة التي وقعت في 1949 هي القاعدة لاتفاق السلام في المستقبل، والتي سيتم فيها تحديد الحدود الدائمة؛ والأهم من ذلك حقيقة أن إسرائيل تم اعتبارها من قبل النظام الدولي دولة تحب السلام والمصالحة، تحارب على وجودها الطبيعي مقابل الرفض العربي المستمر للاعتراف بها والتوقيع على اتفاقات سلام معها.
ورغم ذلك، الواقع السياسي الدولي منذ العام 1967 مختلف تماما: إن صيغة "الارض مقابل السلام" لتسوية النزاع (حسب قرار مجلس الامن 242) وضعت وتمت الموافقة عليها من جميع الاطراف، بما في ذلك إسرائيل. لقد وقعت مصر والاردن على اتفاقات سلام مع إسرائيل؛ الجامعة العربية تعود وتصادق منذ 15 سنة على مبادرة السلام العربية التي ترتكز على القرار 242؛ م.ت.ف اعترفت بإسرائيل بقرار 242 و338، وهي تحظى الآن بمكانة دولة مراقبة في الامم المتحدة؛ وأخيرا، إسرائيل تعتبر في نظر الرأي العام العالمي رافضة للسلام وتُخل بصورة فظة بالمواثيق الدولية عن طريق عمليات الاستيطان في الضفة الغربية وشرقي القدس.
ثانيا، الميزان الديمغرافي- المناطقي. نجاح إسرائيل في الحصول على اغلبية يهودية وسيطرة على المكان بعد حرب الاستقلال استند إلى أن 711 ألف فلسطيني (أكثر من نصف عرب ارض إسرائيل الانتدابية) تحولوا إلى لاجئين، ولم يعودوا إلى إسرائيل عند انتهاء الحرب. أكثر من 400 قرية فلسطينية هُجرت وتم تخريبها. إسرائيل شهدت في سنواتها الاولى موجات هجرة كبيرة للناجين من الكارثة في أوروبا ويهود الدول العربية وإيران والعراق، والتي قلصت نسبة العرب في الدولة الشابة إلى 16 في المائة فقط.
في المقابل، في حرب الأيام الستة كان عدد اللاجئين الفلسطينيين أقل بكثير، 250 ألف شخص، واغلبية السكان العرب بقوا في بيوتهم، باستثناء قرى معدودة تم تدميرها، القرى الاخرى بقيت كما هي وسكانها استمروا في فلاحة اراضيهم. منذ العام 1967 شهدت إسرائيل موجة هجرة كبيرة واحدة فقط، في التسعينيات، من دول الاتحاد السوفييتي السابق. وفي السنوات الاخرى كانت الهجرة قليلة واحيانا كان ميزان الهجرة سلبي. توقعات الهجرة المستقبلية في مكتب الاحصاء المركزي في العقود القادمة هي صفر.
ثالثا، مكانة المناطق. بعد حرب الاستقلال مباشرة طبقت إسرائيل القانون والقضاء والادارة الإسرائيلية على المناطق التي احتلتها بواسطة أوامر وقع عليها وزير الأمن. وفي المقابل، منذ احتلال الضفة الغربية في 1967 امتنعت إسرائيل عن تطبيق القانون والقضاء والادارة الإسرائيلية على هذه المناطق باستثناء 70 كم مربع تم ضمها للقدس الغربية فور انتهاء حرب الايام الستة، في حين أن العملية التي تمت في 1949 قبلت من المجتمع الدولي، فإن ضم شرقي القدس في العام 1967 وضم هضبة الجولان في 1981 رفضت بشدة من قبله. هناك تأثير اساسي لمكانة المناطق على العاملين التاليين:
رابعا، مكانة السكان العرب. في 1949 منحت إسرائيل المواطنة الكاملة للسكان العرب في المناطق التي احتلتها. هذا الاجراء عزز مكانتها كدولة ديمقراطية تمنح المساواة الكاملة في الحقوق لكل مواطنيها، طبقا لوثيقة الاستقلال (رغم أنه فعليا كان هناك تمييز ضد عرب إسرائيل). في المقابل، تم حرمان الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ العام 1967، من الحقوق الجماعية لتقرير المصير، وكذلك من حقوق المواطن الاساسية. إن اقامة السلطة الفلسطينية لم تقدم الرد على ذلك لأن السلطة ليس لها صلاحية كاملة بخصوص العلاقات الخارجية، الأمن الخارجي والاقتصاد، وهي لا تسيطر على 60 في المائة من مساحة الضفة الغربية وعلى ربع السكان فيها (في شرقي القدس ومناطق ج). والاخطر من ذلك هو أن إسرائيل تطبق في الضفة الغربية نظامي قضاء مختلفين، لليهود والعرب.
خامسا، مكانة الاراضي. بعد حرب الاستقلال نقلت إسرائيل إلى سيطرتها اكثر من 4 ملايين دونم من الاراضي الزراعية وآلاف الدونمات من الاراضي البلدية عن طريق سن قانون املاك الغائبين (بواسطة سلطة التطوير في 1951 وسلطة اراضي إسرائيل في 1960)، وقامت إسرائيل أيضا بمصادرة الكثير من الاراضي المملوكة للقرى العربية التي بقيت تحت سيادتها، في اطار الحكم العسكري الذي فرض عليها حتى كانون الاول 1966. هذه الاراضي تم تخصيصها لمستوطنات قائمة ومن اجل اقامة حوالي 300 مستوطنة يهودية جديدة حتى العام 1967.
في المقابل، منذ 1967 قررت المحكمة العليا أن "النظام القضائي الذي يسري على هذه المناطق (الضفة الغربية وقطاع غزة)، محكوم بالقضاء الدولي العلني الذي يتناول الرؤية القتالية (ميثاق لاهاي وميثاق جنيف الرابع). بناء على ذلك، لا يمكن لدولة إسرائيل مصادرة اراضي خاصة من اصحابها الفلسطينيين من اجل اقامة مستوطنات، منذ 1979 (قرار المحكمة العليا في قضية الون موريه). ولا يمكنها وضع اليد عليها بأمر عسكري لهذا الغرض (اذا تمت المصادقة على قانون "التسوية" فإن الوضع سيتغير).
سادسا، موقف الجمهور اليهودي في دولة إسرائيل. بعد حرب الاستقلال ساد اجماع كامل في كل الاحزاب الصهيونية بخصوص مستقبل المناطق التي تم احتلالها. المستوطنون الأوائل، خلال الحرب نفسها، كانوا أبناء الكيبوتسات والحاضرات الذين استفادوا من زيادة كبيرة في الاراضي التي تم وضعها تحت تصرفهم. المهاجرون في الخمسينيات والستينيات اعتبروا المستوطنات التي أنشئت من اجلهم بيتهم الجديد. الشعور بالعدل بسبب العداء العربي في حرب الاستقلال والتهديد الامني الذي واجههم من العالم العربي بعد الحرب، عمل على توحيد المجتمع اليهودي في إسرائيل. بعد حرب الايام الستة، من المفاجئ الاشارة إلى أنه بالنسبة لقطاع غزة كان اجماع كامل من قبل حكومة إسرائيل على ضمه بعد أن يتم اسكان اللاجئين الموجودين في القطاع خارج حدوده.
وبالنسبة للضفة الغربية كانت الآراء مختلفة، بدءا من تأييد الضم وحتى اعادتها للاردن في اطار اتفاق سلام. الآن يوجد شرخ عميق في المجتمع اليهودي فيما يتعلق بمستقبلها. اكثر من النصف بقليل من اليهود – الإسرائيليين يؤيدون حل الدولتين، والباقون يعارضونه. الكثيرون يعتبرون مشروع الاستيطان عملية تدميرية تعيق العملية السياسية، والأخطر من ذلك تهدد الهوية الإسرائيلية والنظام الديمقراطي في إسرائيل واستمرار بقائها كمجتمع موحد.
حتى العام 1967 نجحت إسرائيل في تشكيل الواقع في المناطق المحتلة في حرب الاستقلال، وأن تؤسس فيها اغلبية وسيطرة يهودية، باستثناء منطقة وادي عارة والجليل وجزء من النقب الشمالي – الشرقي. قرار مجلس الامن 242 في اعقاب انتصار إسرائيل في 1967 اعترف ضمنيا بالمناطق المحتلة في العام 1949 كجزء من ارض إسرائيل، واشترط اتفاق السلام مع الدول العربية بدون الفلسطينيين، بانسحاب إسرائيل فقط من المناطق التي احتلت في حرب الايام الستة. اذا كان الامر كذلك فإن الهدف السياسي للحفاظ على المناطق المحتلة في حرب الاستقلال تم تحقيقه بعد 19 سنة، وذلك بفضل الفرصة التي سنحت بها حرب الايام الستة.
في المقابل، رغم جهود الاستيطان لمدة خمسين سنة منذ حرب الايام الستة، إلا أن الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية بعيد جدا عن تحقيق الهيمنة الديمغرافية أو المناطقية. فنسبة العرب في الضفة الغربية ما زالت تبلغ 82 في المئة، وفقط 11 في المئة من المستوطنات يبلغ عدد السكان فيها إلى أكثر من 5 آلاف نسمة، وليس هناك في الضفة زراعة أو صناعة إسرائيلية هامة، و"الكتل الإسرائيلية" التي فيها هيمنة يهودية ديمغرافية ومناطقية تمتد بصعوبة على مساحة 4 في المائة من اراضي الضفة الغربية.
المجتمع الدولي، بدون استثناء، لا يعترف بشرعية الاستيطان أو ضم شرقي القدس. في 29 تشرين الثاني 2012 اعترفت 138 دولة بفلسطين في حدود 1967 كدولة مراقبة في الامم المتحدة. المرونة الوحيدة والهامة في هذا المجال من جانب المجتمع الدولي والجامعة العربية والفلسطينيين، هي في الموافقة على فكرة تبادل المناطق، 3 – 4 في المائة، والتي ستمكن إسرائيل من ابقاء معظم الإسرائيليين الذين يعيشون خلف الخط الاخضر في منازلهم وضمهم إلى إسرائيل، مقابل مناطق بنفس المساحة ستقوم إسرائيل بنقلها للفلسطينيين.
إن مشروع الاستيطان الإسرائيلي سينجح في تشكيل الحدود الشرقية لدولة إسرائيل اذا تم التوقيع على الاتفاق الدائم، لكنه لم ينجح في اضافة ولو دونم واحد إلى اراضيها. استمرارا لفكرة هركليتوس، فإن مناطق 1949 ليست مناطق 1967. أيضا إسرائيل والنظام الدولي والعالم العربي والفلسطينيين ليسوا كما كانوا في 1949. ومن اجل أن تبقى إسرائيل هي إسرائيل، ديمقراطية مع اغلبية يهودية، يجب عليها تغيير مواقفها وملاءمتها مع التغيرات التي حدثت. وبقدر فهم واستيعاب هذه الفكرة من قبل الحكومة الإسرائيلية والمجتمع الإسرائيلي، سيوفرون سفك الدماء والموارد للطرفين إلى حين الانفصال الحيوي لكليهما.

التعليق