حماقة قرار ترامب حول القدس: آن الأوان لتتولى أوروبا قيادة صنع السلام

تم نشره في الأربعاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً
  • فلسطيني يشاهد الرئيس الأميركي ترامب وهو يعلن اعترافة بالقدس عاصمة لإسرائيل على شاشة التلفاز - (أرشيفية)

جوليان فون ميتلستايدت - (دير شبيغل) 8/12/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يفاخر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه صانع سلام. لكن قراره نقل موقع السفارة الأميركية في إسرائيل إلى مدينة القدس سيفرز خاسرين وحسب. لقد حان الوقت لأن تتولى أوروبا الدور القيادي في عملية السلام الشرق في الشرق الأوسط.
 * * *
لم يحب الصهاينة القدس أبداً. كان ثيودور هيرتزل، والد الصهيونية، قد حلم بعاصمة في شمال فلسطين، على سفوح جبل الكرمل الذي يطل على البحر الأبيض المتوسط. ولم يكن ينطوي سوى على الازدراء للحائط الغربي (المبكى أو البراق) في القدس. وكتب ذات مرة قائلاً: "يا لها من خرافات ويا له من تعصب على كلا الجانبين!".
من العار أن الصهاينة لم يواصلوا ذلك الطريق. لأنه منذ أعلنت إسرائيل القدس عاصمة لها قبل 70 عاماً تقريباً، كان وضع المدينة موضوعاً للصراع. وقد صب الرئيس دونالد ترامب دلواً كبيراً من الوقود على نار هذا الصراع يوم الأربعاء الماضي عندما أعلن أن الولايات المتحدة تعترف بالقدس رسمياً عاصمة لإسرائيل، وأنها بصدد نقل سفارتها إلى المدينة من موقعها الحالي في تل أبيب.
بطبيعة الحال، فإن القدس أصلاً هي المكان حيث يوجد الكنيست، البرلمان الإسرائيلي، كما أنها تضم المقر الرئيسي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومعظم الوزارات. ومع ذلك، لم ير أي بلد أنه من المناسب وضع سفارته في القدس لأن المجتمع الدولي كان قد اتفق، في إجماع غير اعتيادي، على أن الموضوع المتعلق بعاصمة إسرائيل يجب أن يُحل في إطار اتفاقي سلام رسمي. فبعد كل شيء، يعتبر الفلسطينيون القدس، أو على الأقل القسم الشرقي منها، عاصمتهم المستقبلية، وهم يشكلون تقريباً ثلث عدد مواطني المدينة. وكان موضوع القدس دائماً واحدة من أكثر القضايا التي تواجه عملية السلام الشرق في الشرق الأوسط تعقيداً، وهو ما يفسر تركها خارج المفاوضات المتعلقة بخطط السلام حتى الآن.
مع ذلك، وضع دونالد ترامب العربة أمام الحصان الآن، واعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل -لأنه كان قد وعد بذلك في حملته الانتخابية. وهو تحرك أخرق. وهي تظهر فقط أن ترامب هو العكس تماماً من "صانع الصفقات" الذي يدعيه. وقد أعطى نتنياهو هدية لطالما تاق إليها من دون أن يطلب منه تقديم أي شيء في المقابل. وأن يدعي ترامب بعد ذلك بأن خطوة الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل هي "شرط ضروري لإحراز السلام"، فذلك عرض واضح لعجرفة الرئيس الأميركي. وهو يعتقد بأنه من خلال الدوس على كل ما سبق عمله يمكن أن يأتي بشيء جديد. لكن عملية السلام، كعملية غير واقعية -كما دأبت على أن يكون حالها دائماً- أصبحت الآن مستحيلة فعلياً -بغض النظر عما يدعيه ترامب بالصوت العالي من أنه يريد صناعة "صفقة كبرى" لكلا الجانبين.
خاسرون فقط
تعمل هذه الخطوة، بعد كل شيء، على نزع الأهلية عن الولايات المتحدة كوسيط لعملية السلام. وسوف تشعر إسرائيل، التي لطالما تردداً في تقديم أي تنازلات من أي نوع، بأنها حصلت على تمكين لمواصلة المطالبات لها باللين. وقد عرضت حكومة نتنياهو بشكل عام تفضيلاً لخلق "الحقائق على الأرض" واستمرت في بناء المستوطنات وإخفاء الفلسطينيين خلف أسوار مزخرفة بألوان. وفي الأثناء، يشعر الفلسطينيون على أي حال بأنهم سيكونون الخاسرين في نهاية المطاف. وعلى سبيل المثال، لا تتضمن خطة السلام المزعومة التي يطورها صهر ترامب، جاريد كوشنر، استجابة لأي من مطالبهم. فلماذا إذن يستمرون في التفاوض؟
لكن قرار ترامب لم يحرك الأشياء في إسرائيل والأراضي الفلسطينية فحسب، تلك المناطق التي بصغر حجم بلجيكا، وإنما قام بتحريك الأمور في كل أنحاء العالم العربي. فمن مصر إلى الأردن، أعرب زعماء هذه الدول عن سخطهم، بينما ذهب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أبعد من ذلك إلى حد قول أن الولايات المتحدة "تقوم بإغراق المنطقة والعالم في حريق بلا أي نهاية في الأفق". وقد يكون قوله مسرحياً بعض الشيء، لكن الدم أريق أصلاً في الاحتجاجات، كما تم إطلاق الصواريخ من قطاع غزة.
سوف ينتج قرار ترامب خاسرين فقط. وسوف تكون الولايات المتحدة واحدة منهم وقد ضحت الآن بالمزيد من مصداقيتها في الشرق الأوسط. وثمة احتمال لأن يتفكك التحالف الذي يجري الحديث عنه لمناهضة إيران بين دول عربية وإسرائيل -في وقت تعاني فيه المنطقة من هزات أخرى بسبب الحرب في اليمن وحصار قطر والأزمة السياسية اللبنانية.
وحتى الإسرائيليون، الذين يحتفلون حالياً، من الممكن أن يجدوا أنفسهم في نهاية المطاف من بين الخاسرين جراء هذا القرار. ولا يعود ذلك إلى أن كون هذا النزاع ما يزال يعمل على تقوية المتطرفين اليمينيين فحسب، وإنما لأن قرار ترامب قد يفضي إلى المزيد من اغتراب إسرائيل عن أوروبا.
يتحدث المسؤولون الإسرائيليون غالباً هذه الأيام عن تشابهات بين بلدهم وأوروبا، ويؤكدون تقارب القيم والثقافة والاقتصاد. وهم يتساءلون دائماً عن السبب في استمرار الأوروبيين بالإصرار على المسألة الفلسطينية. وهم يصرون على أن هذه مسألة صغيرة. ومع ذلك، فإن رؤيتهم أبعد ما تكون عن الحقيقة. إنها مسألة قيم سياسية، ولذلك فإن أمر التوصل إلى حل للمسألة الفلسطينية يعد شأناً مركزياً بالنسبة للعلاقات بين الاتحاد الأروبي وإسرائيل. ولا عجب في أن قرار ترامب الخاص بالقدس يجعل التوصل إلى هذا الحل أكثر صعوبة بكثير ويبعد الأوروبيين والإسرائيليين عن بعضهما أكثر. كما أنه يسمح لأعمق جرح في العلاقات بين الغرب والعالم العربي بالاستمرار في التقرح.
بفضل ترامب، يجب أن يكون قد أصبح واضحاً للجميع الآن أن عملية السلام ليست أكثر من عبارة جوفاء لم تعد تعمل. وقد كان النسبي الذي شاهدناه مؤخراً في العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو الاستثناء وليس القاعدة.
يعني ذلك أن الأمر يعود إلينا نحن الآن -الأوروبيين والألمان- لطرح أفكار جديدة وصيغ جديدة، مهما كان ذلك صعباً. وحيث يكون ذلك ممكناً، يجب تطوير هذه الأفكار الجديدة بالتعاون مع الدول العربية المعتدلة، التي تعرف أن العداوة القديمة مع إسرائيل تضر أكثر مما تساعد. وبالنسبة لوزير الخارجية الألماني، سيغمار غابرييل، الذي يطالب دائماً بأن تكون ألمانيا أكثر شجاعة في السياسة الخارجية، يشكل الوضع الأخير في الشرق الأوسط فرصة كاملة. ليس هناك أي صراع آخر يجب أن يكون مهماً بالنسبة لأوروبا مثل الذي يجري بين الإسرائليين والفلسطينيين.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Trump’s Jerusalem Folly: Time for Europe to take the Lead on Peace

التعليق