نادر رنتيسي

من الأربعاء الأسود إلى الأربعاء الرمادي!

تم نشره في الأربعاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

بعد أن أعلن الرجل المهرّج، صاحب الشعر الأصفر المزعج للبصر، القدس عاصمة لـ”إسرائيل”، سال حزن كربلائي على جدران “فيسبوك”، ومواويل كئيبة من الصعيد الجوّاني على تويتر. خرجت أغنيات فيروز عن المدينة العتيقة من الصناديق التركيّة، واستُدْعيَ محمود درويش على وجه السرعة ليؤكد للمتشككين منّا أنّها “كانت تسمّى فلسطين، وصارت تسمّى فلسطين”. السيّد غوغل أدركَ ما يطلبه المشاهدون في بحث الصور، فأرفق خيارات رومانسية لتوفير الكتابة: “القدس عروس عروبتكم”، و”القدس تبكي”، و”القدس لنا”.
بدا لمن يمسك بهاتفه الحسّاس، أنّ نهراً بل نهرين بطول دجلة والفرات يجريان هنا على الكوكب الأزرق: واحد لبكاء لا ينفع خال من الملح، والثاني لكلام لا يضرّ منزوع الدسم، وتصوّرتُ بخيال جغرافي مدرسيّ محدود، أنّ النهرين لا بدّ أنْ يصبّا في “تايم لاين” العرب. وهناك شُوهد رجل في دولة أقصى الجنوب، كان يقف وحيداً أمام السفارة الأميركية في بلاده، يحمل لافتة مناهضة للرجل صاحب الشعر الأصفر.
سورة غضب إلكترونية، واجتماع على مستوى المندوبين، ثم الوزراء في المبنى الذي في الحيّ التجاري وسط القاهرة، محللون يتصل بهم معدّ الأخبار وبعد لحظات يصعدون بكلام ترابيّ إلى الأقمار الصناعية، مسيرات محروسة بالعصي المكهربة، أدعية أمّي التي لا تصيب الظالمين، قصيدة نابية لمظفر النواب..، ثمّ انسحبتُ مثل طفل من بيت عزاء جدّه، في مساء الأربعاء الأسود، فأغلقتُ الهاتف الحسّاس، واخترتُ من قائمة طويلة في تلفازي فيلماً روائياً مشوّقاً لـنيكول كيدمان، واستعدتُ شيئاً من كآبتي الخاصة. لم أفعل ذلك استخفافاً بالحزن العام، كل ما في الأمر أنّي أردتُ مشاهدة فيلم مجهول النهاية!
أعلن المُهرّج “النكبة” الجديدة، وقبل ذلك بنكبات كانت ردّات الفعل “واقعية”: رفع رايات سود على الشرفات والأسطح، خلوّ الألوان من الصفحة الأولى في جريدة الدولة والحزب والحائط المدرسيّ، إنصات إلى رأي الجدّ.. واعتقاد أنه على صواب لأنّه والد والدنا، توحّد القناتين في بث خاص يعرض أفلاماً وثائقية بجودة متدنية ومشهد الختام لمُسنٍّ ينظر إلى أشجار الزيتون، تأجيل حلقات المسلسل الأميركي إلى ما بعد “الأجواء الملبّدة التي تسود المنطقة”. لا شيء تغيّر سوى كثافة الحزن، وطول أيّام العزاء، وانحناء العَلَمِ.. في تحيّة العَلَمْ.  
ولا كأنّ شيئاً قد حدث.. اليوم الأربعاء، واللون أبيض إلى رماديّ، وهذا مزيجٌ محايد، يسمحُ بإقامة مباراة غير وديّة في كرة القدم، وإبداء إعجاب محدود بفستان نيليّ قصير، باللّمْس الحذر على الهاتف الحسّاس، يمكن أيضاً في هذا المساء الخريفيّ المعتدل أنْ نعدّ حبّات الخرز في ضحكات نانسي عجرم.. أنا لا أزاود عليكم، فقد تركتُ الحدث الأسود، لأشاهد فيلماً أميركياً مشوقاً، وأعرف أنّ كلّ ما جرى في النهرين من دموع لا تنفعْ، وكلام لا يضرّ، لن يزيح العتمة من عيني صبيّ معصوب بين تسعة عشر جندياً.   

التعليق