البينات التربوية: المعلم بين تعليم المادة أو تعليم الطلاب (5 - 6)

تم نشره في الأربعاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً
  • الخبير التربوي الدكتور ذوقان عبيدات -(أرشيفية- تصوير: ساهر قدارة)

د. ذوقان عبيدات *

(1)
تعليم المادة الدراسية أم تعليم الطلاب
تحدثنا كثيراً عن ان فلسفة التعليم وأهدافه لا تتحدث عن موضوعات دراسية معينة اطلاقاً! وإنما تتحدث عن: - فهم الظواهر الفيزيائية والتفاعلات الكيماوية. - استخدام الارقام في الحياة اليومية، والمفاهيم الرياضية. - تفسير ظواهر تاريخية متعلقة بتاريخ الأمة والأردن. - يفكر بأسلوب. - يعي حقائق اساسية في مجال البيئة والجغرافيا. - يستوعب التعميمات العلمية.
- يؤدي مهارات حرفية. يستخدم اللغة العربية في الاتصال. - يستوعب مبادئ العقيدة الاسلامية. - يتقن لغة أجنبية.
هذا كل ما ورد في فلسفة التربية الاردنية من اهداف ذات صلة بالمادة المدرسية. وهذا يعني ان المنهج  يجب ان يلتزم بهذه الاهداف. وهذه الفلسفة لم تحدد الآليات؛ فلم تقل يجب تدريس مادة كذا وعدم تدريس مادة كذا..! فهذا خيار يترك لواضعي المناهج للاتفاق عليه.
اما بقية الاهداف الواردة في فلسفة التربية ومما لا صلة له بمواد دراسية معينة، فهي تشكل غالبية الاهداف، فمثلاً وردت الاهداف الآتية التي لا صلة لها بمادة دراسية معينة، بل ربما بعدة مواد وأنشطة أو بجميع المواد!!
فهل هناك مادة دراسية مرتبطة وحدها بتحقيق الاهداف الآتية: - يتمثل قواعد السلوك الاجتماعي. - يحرص على سلامة البيئة وحمايتها. - يتذوق الجمال. - يتمثل قيم الجد والعمل والمثابرة. - يعبر عن مواهبه. - يتفاعل مع بيئته الثقافية.
- يعزز ثقته بنفسه. - يتقبل ذاته وينمي نفسه بالتعلم الذاتي. - يحترم الوقت. - يعي أهمية الأسرة. - يسعى الى تقدم وطنه. - يستخدم العقل في الحوار... الخ.
فهناك عشرات الامثلة على هذه الاهداف.. فما هي المواد الدراسية التي تحققها؟
(2)
تحقيق الأهداف ليس مرتبطاً بمادة دراسية
لا داعي لتكرار فكرة ان جميع المواد تسهم في تحقيق الاهداف ذات الصلة بشخصية الطالب وادارته لذاته. وأن هذه المسؤولية ليست مسؤولية مادة دراسية معينة. فإتقان اللغة العربية مسؤولية كل المواد وكل المعلمين. وادارة الوقت واحترام الآخر، والتفكير.. الخ، هي مهارات عابرة للمواد بل فوق المواد الدراسية، حيث يمكن تحقيق إدارة الوقت او  التفكير او احترام الآخر حتى لو حذفنا جميع المواد الحالية، ووضعنا بدلاً منها مواد اخرى!
يقدر عدد المواد الدراسية بـ 2500 مادة. فلو اخترنا أية خمس مواد منها، وحتى عشوائياً. فإن تعليم التفكير واحترام الوقت وتقدير الآخر لن تتأثر بهذا الخيار! إذن تبدو الإجابة عن السؤال الآتي مهمة واضحة: هل نعلّم المواد الدراسية أم نعلّم الطلاب؟ ما المقصود بهذين المصطلحين؟
تعليم المواد هو النظام التقليدي للتعليم. خطة دراسية، جدول مواد كتب شرح، امتحانات.. نتائج. معلمون يشرحون المادة. طلاب يتعلمونها وينجحون أو يرسبون!!  أما تعليم الطالب فهو بناء شخصيته، وذكائه العاطفي والاجتماعي وبناء جسمه، واتقان حركاته، وطرق تفكيره، وحلوله للمشكلات واحترامه لذاته وللآخر!
فهل نريد النظام التقليدي لتعليم المواد ام نظام بناء الشخصية؟ في النظام التقليدي: الدين يعلم الطلاب التدين، واللغة العربية تعلم التحدث، والرياضيات تعلم الحساب والهندسة وهكذا.. وما هو مطلوب في النظام التقليدي ان يتعلم الطالب: حقائق معرفية، مهما كانت صلته بها؟ فكم منا احتاج في حياته العملية ان يميز بين الحال والتمييز؟ وكم منا احتاج الى نظرية مجموع زوايا المثلث = 180 ْ ؟ وكم منا احتاج لمعرفة اسم أعلى جبل، أو اسم السيدة التي صرخت وامعتصماه!! وكم.. وكم وكم؟
والمشكلة في تعليم المواد، أنها غالباً ما تكون على حساب متعة الطالب وحاجات الطالب وعلاقاته وميوله وأنشطته ووقته!!
وكم طالباً رسب لأنه لم يعرف أخوات كان، أو متى يتقدم الخبر على المبتدأ؟ أو نسي اسم يزيد بن معاوية؟ او تاريخ ولادة المتنبي؟

(4)
تعليم الطالب
يقصد بتعليم الطالب بناء شخصية الطالب وتزويده بالمهارات الحياتية التي يحتاجها، وإعداده ليكون قادراً على صناعة  التغيير او التكيف معه في أضعف الحالات. ولا ينكر احد ان المواد الدراسية قد تسهم في هذه المهمة. لكن لا ينكر احد ان معظم ما يتلقاه الطالب في حياته الدراسية لا يبقى معه، وإن بقي لا يؤثر على حياته!!
اذن ما الذي يؤثر على حياة الطالب؟ كل ما يحتاج اليه من مهارات حالية ومستقبلية.  فالطالب يحتاج مهارات متجددة باستمرار، كالملاحظة والمقارنة والتحليل والربط والتخطيط والتوقع والتنبؤ والاكتشافات والتجريب، مهما كان محتوى هذه المهارات. فالطالب يتعلم المقارنة مثلاً من أي نشاط، مهما كان!!
حين يقارب بين شخصية وأخرى، أو يقارن بين الفعل الماضي والمضارع، أو بين دين ودين، أو رقم ورقم.. أو بين لباس وآخر، .... الخ.
فليس المهم ان نقارن بين ظاهرتين بمقدار ما نكتسب مهارات المقارنة.
ومما يميز الطالب عن تعليم المادة - هو أنه في النمط الاول: المحور والهدف، وفي النمط الثاني: المادة الدراسية هي المحور والهدف. وليس من مجال لاختيار بين كرامة الطالب ومنطقه وبين كرامة المادة الدراسية ومنطقها.

(5)
حين نعلّم المادة. فإننا نغير الطالب وفق متطلبات المادة: سهراً وتعباً ومللاً وربما حباً، كي يستطيع الوفاء بمتطلبات المادة.
وحين نعلم الطالب، فإننا نغير كل شيء يسهم في بناء شخصية الطالب.

* مدير مركز الدراسات والاستشارات/ مجتمع النهضة التربوية.

التعليق