إبراهيم غرايبة

الشبكية للجميع

تم نشره في الخميس 14 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:06 صباحاً

تحولت الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي إلى قضية تشغل السلطات السياسية، وبالتأكيد فإن قوانين منع الإرهاب سوف تضيّق على الاستفادة من الإنترنت وتوظيفها في الإصلاح والتنمية، وتتحول قوانين مكافحة الإرهاب إلى احتكار للشبكة، وتوظيفها واستثمارات نخبوية، تحرم معظم الناس من ثمارها. وبذلك، فإن مشاعية الإنترنت وشبكات التواصل وتطويرها تمثل هدفاً إصلاحياً تنموياً، ليس فقط ليستخدمها الإصلاحيون والمناضلون، ولكن لأجل تحويلها إلى خدمة متاحة لجميع الناس، ولكسر احتكار التكنولوجيا والاتصالات وحماية المستهلكين والمستخدمين، فألا يكون الاحتكار والامتيازات مصدراً لثروة أحد، أو فئة من الناس، هو أهم هدف يجب السعي إليه، إنه أكثر أهمية بمراحل بعيدة من انتقاد الحكومات ومعارضتها.
التكنولوجيا، بداهة وبطبيعة الحال لا تؤدي تلقائياً إلى الإصلاح والعدالة والتنمية، على الرغم من أنها كانت دائماً تخدم الأهداف والبرامج الإصلاحية، لكن ذلك يحدث بوعي وتخطيط مسبق، وهناك نضالات عالمية جميلة ومدهشة، لأجل المساواة التكنولوجية، تصلح للتأمل والاقتباس، مثل ويكيبيديا والبرامج المشاعية التي تتيح للمستخدمين أن يكسروا احتكار البرامج الحاسوبية، والتي تباع بأثمان تفوق طاقة معظم الناس، وينتظم في الشبكة اليوم مئات الآلاف، بل ملايين المتطوعين، لبناء برمجيات وقواعد معرفية تتيح للفقراء والطلاب وجميع الناس فرص العمل والتعلم والتدريب.
هذا الإدراك للأهداف غير المباشرة والعلاقات المعقدة في الإصلاح يمثل قاعدة أساسية وضرورية لتطوير الإصلاح، ففي العلاقات المباشرة والمبسطة بين المطالب والنضال يتيه الإصلاح نفسه، ويجد الإصلاحيون أنفسهم في متاهة، ويسهل استدراجهم وهزيمتهم، وتلك قصة أخرى، على أي حال. ولكن في مسألة التكنولوجيا، نحتاج إلى رؤية أبعد من الاستخدام المباشر للتكنولوجيا وحيازتها. وحتى لا تشغلنا الأمثلة والتطبيقات عن المنهج الأساسي في التفكير، يجب التذكير دائماً أن الدليل المرشد في صياغة الاهداف والمواقف هو مصالح وأهداف المجتمعات نفسها، وقدرتها على الحياة بكرامة والرفاه والتنمية؟.. ففي أحيان كثيرة، يتطور الصراع على نحو تضيع فيه هذه القاعدة، ويتحول إلى سجال بعيد عن مصالح المجتمعات والطبقات المحرومة والمهمشة، وتزجّ المجتمعات والطبقات في معارك جديدة ومختلفة، ويجد الإصلاح نفسه حائراً بين تطرف المعارضات والسلطات والنخب. وفي أغلب الأحيان، إن لم يكن دائماً ينسحب الإصلاحيون ويتخذون موقفاً صامتاً، أو محايداً، لأنهم يقتنعون أن لا ناقة للإصلاح ولا جمل في الصراع الدائر. وفي العنف مهما كان مستواه وطبيعته، تنحاز الطبقات الوسطى إلى السلطة، مضحية بأفكارها وأهدافها، لأجل مصالحها، أو لتقليل الخسائر، أو بسبب الخوف من المجهول الذي يحمل شعوراً غالباً بتهديد مصالحها وأسلوب حياتها، والحريات الشخصية والاجتماعية.
ولأجل أن تكون التكنولوحيا تخدم بالفعل الإصلاح، وتؤثر على السياسة العامة، لتسلك في هذا الاتجاه يجب أن يتخذ النضال الإصلاحي أهدافاً ومصالح عامة وليست مباشرة، مثل مشاعية الإنترنت، وتشجيع الإبداع والتعليم الإبداعي، والعمل على أن يكون الجميع مستفيداً من برامج وخدمات الدولة الأساسية، وأن تكون ثمار التكنولوجيا متاحة للجميع، ولكن، في مستوى أكثر تعقيداً وإبداعاً في الإصلاح يمكن العمل التكنولوجي على أساس التفكير في مصالح الفقراء، ومن أمثلة ذلك ما يجري في الهند من إنتاج أجهزة حاسوب وسيارات وأجهزة وآلات منخفضة التكلفة، تمكن الفقراء من امتلاكها.
الاستثمار والتقنيات الموجهة إلى الفقراء والمصممة للفقراء تمثل أفضل وسيلة أو مدخل للإصلاح، فهي، أولاً، تمثل مصالح اقتصادية، وتعود بالربح والفائدة على أصحابها، فتنشأ، هنا، نخب وقيادات اقتصادية واجتماعية، تبني مصالحها على التحالف مع الفقراء، وليس مع الأغنياء والسلطات، وتمكّن المجتمعات من المشاركة الاقتصادية والاجتماعية وكسر احتكار وهيمنة النخب، .. ومن هنا نبدأ.

التعليق