صهيونية بدون القدس

تم نشره في الخميس 14 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • قوات الاحتلال أثناء مواجهات مع الفلسطينيين في الضفة الغربية.-(ا ف ب)

هآرتس

دمتري شومسكي

13/12/2017

"المناطق المهمة في البلدة القديمة في القدس التي سيتم تحديد حدودها حسب ما رأت عصبة الأمم ستحظى بنفس مكانة المناطق التي تقع خارج الحدود، والمقبولة على كل العالم، بشأن مفوضيات الدول"، هكذا حدد زئيف جابوتينسكي المكانة السياسية للبلدة القديمة. كما جاء أن "كل منطقة من هذه المناطق ستعتبر منطقة بلدية خاصة وستدار من قبل مجلس، يتم تعيينه بالاتفاق بين السلطات الدينية ذات الصلة".
هذه الاقوال جاءت في البند د في مشروع القانون للدولة اليهودية في ضفتي نهر الأردن، الذي تمت المصادقة عليه من قبل الحركة التنقيحية في العام 1934، ونشر في كتابه الاخير "جبهة الحرب لشعب إسرائيل" في العام 1940.
البساطة الطبيعية التي تنازل فيها الرمز اليميني للصهيونية الجديدة، ومفكر رؤيا ارض إسرائيل الكاملة، عن السيادة اليهودية في صميم قلب القدس التاريخية، تدلل على حقيقة من الحقائق التاريخية الاساسية في تاريخ الصهيونية، المعروفة جيدا للباحثين في الصهيونية: خلافا للأقوال المدحوضة لنفتالي بينيت عشية خطاب ترامب حول الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والتي جاء فيها "لا توجد صهيونية بدون القدس"، فإن الصلة الوطنية- الدينية للشعب اليهودي بالقدس لم تلعب في أي يوم دور مركزي في النظرة الوطنية للصهيونية السياسية الحديثة.
لأن أحد الاهداف المعلنة للحركة الصهيونية، الذي يظهر بوضوح في "دولة اليهود" وفي "ارض قديمة – جديدة" لثيودور هيرتسل، كان تحقيق "مصالحة تاريخية" بين اليهود وأمم العالم، فإن الصهيونية السياسية منذ بدايتها لم تخطر ببالها فكرة سيطرة اليهود على مناطق الالتقاء بين الاديان التي كانت بين حين وآخر بؤرة توتر في البلدة القديمة.
ليس عبثا أن حدد هيرتسل في "ارض قديمة – جديدة" موقع الهيكل، ليس على ارض الحرم، لذلك فإنه أعطى تعبيرا رمزيا، لكن بارز، لتوجه الصهيونية السياسية بالابتعاد عن الحوض المقدس، وبدرجة بارزة أيضا على اللامبالاة السياسية تجاهه، لامبالاة نلاحظها أيضا في الدستور التنقيحي لجابوتينسكي.
في حين أن مكانة القدس في الصهيونية الحديثة هامشي جدا، فليست هكذا الحال فيما يتعلق بالقومية الفلسطينية. الشعب الفلسطيني هو الآن أكثر الشعوب اهانة من الناحية الوطنية في الشعوب العربية. هو الشعب العربي الوحيد الذي يقع تحت سلطة قومية اجنبية، مجال وجوده الوطني مقسم من قبل سلطات الاحتلال إلى جيوب تشبه الغيتوات، وهذه آخذة في التقلص بسبب مشروع الاستيطان الأزعر، الذي يزدهر خلافا للقانون الدولي. هذا دون ذكر السجن الاكثر اكتظاظا في العالم، قطاع غزة.
القيادة المستقلة ذاتيا كما يبدو للشعب الفلسطيني والمجبرة على التعاون مع الاحتلال، وفي نفس الوقت يطلب فيه منها اطفاء أي بصيص للمقاومة الشعبية. واذا لم يكن هذا كافيا، فهي مكشوفة كل الوقت لتهديدات المحتل وحليفته القوية وراء البحار. كي لا تتجرأ على التظلم أمام المحكمة الدولية بشأن الجرائم الكولونيالية الإسرائيلية. على ضوء كل ذلك فإن صلة الوطنية الفلسطينية بالحرم تعبر بصورة صحيحة عن القديم والثمين الذي بقي من الكرامة الوطنية للشعب الفلسطيني، التي يتم سحقها كل يوم.
لذلك فإن ادعاء بينيت أن القدس غير مذكورة في القرآن هو ادعاء مضحك جدا. ومهما كان عدد المرات التي ذكرت فيها القدس في القرآن (أو لم تذكر) فالمهم هو أن القدس منقوشة أعمق من أي وقت مضى في روح الوطنية المحطمة للشعب الفلسطيني.
إن المصادقة على مواصلة وتعميق مشروع الاحتلال والاستيطان في شرقي المدينة، المغلف بتصريح مشعل النار من البيت الابيض الذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل دون التمييز بين مناطقها الإسرائيلية الشرعية واقسامها المحتلة، وهتافات السرور من قبل إسرائيل الوطنية الدينية – توصل الاهانة والقمع للشعب الفلسطيني إلى ارقام قياسية جديدة. من الواضح أن الوطنية الفلسطينية ستواصل الرد على ذلك من خلال المقاومة الثابتة، مهما كان الرد الإسرائيلي.
من الصعب التنبؤ كيف ستنتهي جولة العنف الحالية بين إسرائيل والفلسطينيين، لكن يمكننا الأمل بأنه نظرا للاستعداد لتقديم تنازلات في القدس ميز منذ البداية بصورة جوهرية الرؤيا السياسية للصهيونية، فإن إسرائيل ستجد في النهاية الطريق بالعودة إلى الخط التنازلي بخصوص القدس الشرقية بروح آباء الصهيونية. لذلك يجب عليها أن تستوعب الموقف الديني – السياسي الذي وجهها اليه مؤسس الصهيونية السياسية في الوقت الذي قارن في داخله انشاء الهيكل خارج الموقع المخصص له حسب الشريعة اليهودية. حسب هذا الموقف يجب أن نزيل وإلى الابد ذلك الحمل الديني القابل للانفجار الذي يجره التقليد اليهودي على ظهره منذ آلاف السنين، وأن نقول بصورة حاسمة إنه لا يجب تطبيق السيادة الإسرائيلية على منطقة الحوض المقدس.
شرط ضروري كي تتبنى إسرائيل هذا الموقف في يوم ما هو احراق طاعون المسيحانية السياسية الذي تفشى في الدولة منذ 1967 وهو يدفعها ويدفع كل المنطقة إلى الاشتعال القاتل لحرب دينية.

التعليق