صندوق باندورا العصر الرقمي

تم نشره في الجمعة 15 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • الهجمات السيبرانية أصبحت جزءاً أساسياً من الحرب الحديثة -(أرشيفية)

كارل بيلدت*

ستوكهولم- هل اندفع العالَم إلى منزلق خطر يقوده إلى معركة سيبرانية فاصلة؟ إننا لا نملك سوى الأمل في أن لا يكون هذا هو واقع الحال؛ ولكن علينا أيضاً أن نفهم هذا التهديد وندرك أبعاده، حتى يتسنى لنا أن نركز على ما يتعين علينا أن نفعل حياله.
شرعت دول العالَم، الواحدة تلو الأخرى، في استكشاف الخيارات المتاحة لتعزيز قدراتها الهجومية في الفضاء السيبراني، وهناك دول كثيرة حققت هذه الغاية بالفعل. وهو تصعيد بالغ الخطورة، بل إن اتجاهات أخرى قليلة قد تشكل تهديدا أكبر للاستقرار العالمي.
لقد أصبحت كل المجتمعات تقريباً تعتمد بشدة على شبكة الإنترنت، التي تُعَد الجزء الأكثر أهمية على الإطلاق في البنية الأساسية للعالَم -وهي أيضا البنية الأساسية التي تعتمد عليها كل البنى الأساسية الأخرى. وفي واقع الأمر، يبدو أن تسمية "إنترنت الأشياء" المزعومة هي تسمية خاطئة؛ وفي وقت قريب جداً سوف تصبح "إنترنت كل الأشياء". ولا يشهد عصرنا الحالي ثورة صناعية رابعة؛ وإنما هو بداية العصر الرقمي، ونهاية العصر الصناعي بالكامل.
أدخل العصر الرقمي نقاط ضعف جديدة يستغلها الآن بالفعل قراصنة الشبكة، ومخترقو النظم، ومجرمو الإنترنت، وغير ذلك من أشكال القوى الخبيثة. ولكن الأمر الأكثر إثارة للقلق والانزعاج هو حرص الحكومات الوطنية على إدارة عمليات الحرب السيبرانية ضد بعضها بعضاً.
لقد بلغنا بالفعل المرحلة التي أصبح عندها لكل صراع بُعد سيبراني. في العام 2010، عَبَرَت الولايات المتحدة وإسرائيل خطاً خطيراً لا رجعة بعده، بإطلاق هجوم "ستوكسينت" على المرافق النووية في إيران. والآن، لا أحد يستطيع أن يجزم متى قد تبدأ أو تنتهي صراعات سيبرانية أخرى جارية -ولكنها مستترة.
كانت الأمور مختلفة في عالَم الأسلحة النووية القديم، فهي أجهزة معقدة وباهظة التكلفة تقوم على تكنولوجيا لا يتقنها سوى قِلة قليلة من المتخصصين من ذوي التعليم الفائق. أما الأسلحة السيبرانية، فهي على النقيض من ذلك غير مكلفة عموماً إذا أردت تطويرها أو الحصول عليها، واستخدامها سهل بشكل خادع. ونتيجة لذلك، تستطيع حتى الدول الضعيفة الهشة أن تُصبِح قوى سيبرانية كبيرة.
لعل الأسوأ من هذا هو أن تكنولوجيات الحرب السيبرانية كانت في تكاثر بوتيرة مثيرة للقلق الشديد. وفي حين تنتشر سبل الحماية القائمة على نطاق واسع لمراقبة القدرة على الوصول إلى التكنولوجيات والمواد النووية الحساسة، لا يوجد أي شيء تقريباً قد يمنع نشر شفرة برمجية خبيثة.
لفهم حجم التهديد الذي يواجهنا، ليس علينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من فيروس "وانا كراي" (WannaCry)، الذي كاد يغلق هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية بالكامل في شهر أيار (مايو) الماضي. استغل الفيروس نقطة ضعف في نظام التشغيل مايكروسوفت ويندوز كانت وكالة الأمن الوطني الأميركية اكتشفته بالفعل، ولكنها لم ترفع تقريرا لإبلاغ ميكروسوفت. وبعد تسريب هذه المعلومات أو سرقتها من وكالة الأمن الوطني، سرعان ما وضعت كوريا الشمالية برنامج الفدية اللازم، وهو ما لا ينبغي أن يدهشنا. ففي السنوات الأخيرة أطلقت كوريا الشمالية العديد من الهجمات السيبرانية في مختلف أنحاء العالَم، وكان أبرزها ضد سوني بيكتشرز، ولكن أيضاً ضد العديد من المؤسسات المالية.
بطبيعة الحال، ليست كوريا الشمالية استثناء. فقد طورت روسيا والصين وإسرائيل أيضاً أسلحة سيبرانية، وهي منهمكة الآن في محاولة استخدامها على أنظمة في مختلف أنحاء العالَم. وهذا التهديد المتنامي هو على وجه التحديد السبب الذي دفع دولاً أخرى إلى الحديث عن اكتساب القدرات السيبرانية الهجومية: فهي تريد أن يكون لديها الرادع اللازم لدرء الهجمات من قِبَل قوى سيبرانية أخرى. وربما يكون الأمن السيبراني معقداً وباهظ التكلفة؛ ولكن الهجوم السيبراني يظل غير مكلف وجذاباً.
المشكلة هي أنه في حين يؤدي الردع في العالَم النووي وظيفته المرجوة، فإنه غير فعّال بشكل خاص في العالَم السيبراني. ذلك أن القوى المارقة ــ وكوريا الشمالية ليست المثال الوحيد ــ أقل عُرضة إلى حد كبير من الدول المتقدمة للغارات السيبرانية المضادة. فهي تستطيع أن تشن الهجمات الواحدة تلو الأخرى دون أن تجازف بتحمل عواقب وخيمة.
الواقع أن منشأ الهجمات السيبرانية الغامض غالباً يزيد من صعوبة تطبيق نظرية منطقية للردع في العالَم السيبراني. ذلك أن تحديد الطرف المسؤول عن الهجوم، إن كان ذلك في حكم الممكن على الإطلاق، يستغرق وقتا طويلا؛ ويظل خطر غزو الهجوم إلى الطرف الخاطئ قائما دوما. فأشك في أننا قد نرى أي دليل لا لبس فيه على أن إسرائيل تدير عمليات هجومية سيبرانية؛ ولكن من المؤكد أن هذا لا يعني أنها لا تفعل.
في ظلام الفضاء السيبراني، تستطيع قوى متمرسة أن تختبئ خلف أطراف ثالثة، والتي تصبح آنئذ عُرضة لهجمات مضادة من قِبَل الطرف الخاضع للهجوم. وفي النزاع الجاري بين دول الخليج، ربما تكون حكومة واحدة على الأقل تعاقدت مع مخترقين للأنظمة يقيمون في بلدان أخرى لتنفيذ عمليات ضد خصم. ويكاد يكون من المؤكد أن هذه الطريقة لتفادي افتضاح أمر المهاجم ستصبح القاعدة.
في عالَم تمزقه الخصومات الجيوسياسية الكبيرة والصغيرة، قد يُفضي هذا الغموض وقعقعة السيوف في العالَم السيبراني إلى نتائج كارثية. فالأسلحة النووية تخضع لأنظمة واضحة وصارمة للقيادة والسيطرة. ولكن من يستطيع أن يسيطر على جحافل من المقاتلين السيبرانيين على شبكة الإنترنت المظلمة؟
بما أننا ما نزال في المراحل المبكرة من العصر الرقمي، فلا أحد يستطيع أن يخمن على وجه الدقة ماذا قد يأتي لاحقاً. فربما تبدأ الحكومات في تطوير أنظمة مستقلة لشن الهجمات المضادة، والتي حتى لو لم تقترب في كفاءتها من "آلة يوم القيامة" في فيلم دكتور سترينج لوف، فإنها ستكون كفيلة باستهلال عالَم معرض لعواقب غير مقصودة لا حصر لها.
من الواضح بشدة أن الأسلحة السيبرانية ستصبح عنصراً ثابتاً في الحروب الصريحة. ويؤكد ميثاق الأمم المتحدة على حق كل الدول الأعضاء في الدفاع عن النفس ــ وهو الحق الذي بات باعتراف الجميع مفتوحاً على نحو متزايد للتفسير والتأويل في عالَم رقمي دائم الحركة. كما يتناول الميثاق مسائل تتعلق بالقانون الدولي، وخاصة في ما يتصل بالبنية الأساسية غير القتالية والمدنية في مناطق الصراع.
ولكن ماذا عن الصراعات التي لا حصر لها والتي لا تصل إلى عتبة الحرب الشاملة؟ حتى الآن، فشلت الجهود الرامية إلى إنشاء قواعد ومعايير عالمية تحكم سلوك الدولة في الفضاء السيبراني. ومن الواضح أن بعض الدول تريد الاحتفاظ بكامل حريتها في العمل في هذا المجال.
لكن هذا يشكل خطراً واضحاً. فكما أظهرت تسريبات وكالة الأمن الوطني، لا يوجد سبيل إلى تقييد القدرة على الوصول إلى الأسلحة السيبرانية المدمرة، ولا يوجد سبب يدعو للتشبث بالأمل في أن تكون قواعد ضبط النفس التي حكمت العصر النووي ناجحة في العصر السيبراني.
إنه لأمر مؤسف أن يكون التوصل إلى اتفاق دولي لتقييد تطوير واستخدام الأسلحة السيبرانية الهجومية في المواقف غير الحربية أمرا بعيد المنال في الأرجح. وإلى أن يحدث ذلك، يتعين علينا أن نولي المزيد من الانتباه والاهتمام إلى مخاطر انتشار الأسلحة السيبرانية، وأن نحث الحكومات على تطوير قدرات دفاعية وليس هجومية. فلن يخرج أحد من سباق تسلح في الفضاء السيبراني فائزاً.

*كان وزير خارجية السويد من العام 2006 إلى العام 2014 ورئيس وزرائها من 1991 إلى 1994، عندما تفاوض على انضمام السويد إلى الاتحاد الأوروبي. وهو دبلوماسي دولي شهير، عمل مبعوثاً خاصاً للاتحاد الأوروبي إلى يوغوسلافيا السابقة، والممثل السامي للبوسنة والهرسك، ومبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى البلقان، والرئيس المشارك لمؤتمر دايتون للسلام. وهو رئيس اللجنة العالمية المعنية بإدارة الإنترنت وعضو في مجلس الأجندة العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي المعني بأوروبا.

التعليق