هل تكون الفلبين "الخلافة" التالية؟

تم نشره في الجمعة 15 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً
  • جنود حكوميون فلبينيون في مدينة مراوي الجنوبية التي شهدت معارك ضد المتطرفين الإسلاميين مؤخراً - (أرشيفية)

باتريك جونستون؛ وكولن كلارك*  - (فورين بوليسي) 27/11/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يبدي القادة الغربيون وأولئك المنخرطون في منطقة الشرق الأوسط شغفاً بإعلان الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" بعد استعادة المدن الرئيسية، مثل الموصل والرقة، اللتين كان "داعش" يسيطر عليهما منذ العام 2013. لكن من السابق لأوانه كثيراً الشعور بالاطمئنان وراحة البال. فقد شرع تنظيم "داعش" فعلياً في التفكير بكيفية إعادة رص صفوفه. ومع أن الفلبين بعيدة جداً عن مكان ولادة المجموعة في الشرق الأوسط، فقد استولى الجهاديون التابعون للتنظيم وسيطروا على إحدى المدن هناك أصلاً لمدة ثلاثة أشهر، وكبدوا القوات الأمنية في البلد كلفة كبيرة في جهود استعادتها.
للفلبين تاريخ طويل في التعامل مع التشدد الإسلاموي، والذي يعود وراء إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما بدأت جبهة تحرير مورو الوطنية بقتال الحكومة سعياً إلى الحصول على حكم ذاتي أكبر من الحكومة المركزية في مانيلا. وبعد صدوعات وانشقاقات مختلفة في داخل جبهة تحرير مورو الوطنية، ظهرت جبهة تحرير مورو الإسلامية في العام 1984، واستمرت في شن تمرد منخفض الحدة في عموم جنوب الفلبين. وهناك تنظيم إسلاموي متشدد آخر، مجموعة أبو سياف، التي كانت قد تشكلت في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، ولها روابط مع تنظيم القاعدة ومجموعات إسلاموية متشددة أخرى في عموم جنوب شرق آسيا.
والآن، يعد تنظيم "داعش" القادم المتأخر إلى جزر الفلبين. وكان له اهتمام محدود بالفلبين قبل العام 2016، عندما كانت خلافته في الشرق الأوسط تواجه أصلاً حملة بالغة الشدة. وبالإضافة إلى ذلك، وبينما أعلنت أكثر من نصف دزينة من الفصائل الفلبينية ولاءها لتنظيم "الدولة الإسلامية"، فإن التنظيم لم يرحب بها، ولم يعلن على الملأ عن ولاية رسمية أبداً، أو عن فرع يحمل ماركته في الفلبين. وفي شريط فيديو أنتجه في نهاية حزيران (يونيو) 2016 مكتب الإعلام في الفلبين، أبرز "داعش" العلاقة الرسمية بين مركزه والمتشددين في الفلبين، لكن ذلك لم يرقَ إلى أن يكون إعلاناً رسمياً عن ولاية له هناك.
يشار إلى أن المتشددين الإسلاميين في جنوب شرق آسيا لا يمتلكون سوى على النزر اليسير من خبرة المعارك في صفوف "داعش". كما أن المقاتلين الأجانب المتحدرين من جنوب وجنوب شرق آسيا والبالغ عددهم نحو 1.600 مقاتل من الذين كانوا قد سافروا إلى العراق وسورية للانضمام إلى المجموعة كانوا يشكلون نسبة 5 في المائة فقط من إجمالي عدد المقاتلين الأجانب المنضوين في صفوف التنظيم، والمقدر عددهم بحوالي 30.000 مقاتل، وفقاً لتقرير صادر عن مركز صوفان، مؤسسة الاستشارات الدولية.
ومع ذلك، وعلى الرغم من تلقيهم انتباهاً أقل بكثير مما تتلقاه المجموعات الأخرى التابعة لتنظيم "داعش" -بما في ذلك فروع التنظيم في ليبيا وشبه جزيرة سيناء وأفغانستان- كان المتشددون الإسلامويون الذين أعلنوا البيعة لتنظيم "داعش" قادرين على الاستيلاء على ماراوي، أكبر مدينة في منطقة مندناو التي تتمتع بالحكم الذاتي، والتي يقدر عدد سكانها بحوالي 200.000 نسمة. وحتى مع أن المتشددين في الفلبين لم يتلقوا اعتراف بوضعهم كولاية من ولايات "الدولة الإسلامية" على الإطلاق، فإن هناك روابط أيديولوجية قوية امتدت حتى إلى شيء محسوس أكثر. فقد فشل الهجوم المضاد الكثيف الذي شُن ضد المتشددين في استعادة ماراوي من ائتلاف فضفاض مكون من هذه الفصائل المرتبطة بتنظيم "داعش"، بما فيها مجموعة أبو سياف ومجموعة "موات" التي تعززت فعاليتها بفضل الدعم المادي الذي قدمه لها التنظيم المركزي. ويقال إن المجموعة المركزية أرسلت تقريباً مبلغ مليوني دولار للمتشددين في الفلبين لمساعدتهم على خوض المعركة. وتناسب الفلبين نموذج "الدولة الإسلامية" من حيث السعي إلى تسعير الصراعات العرقية القائمة والقضايا الطائفية، مع تنافس المسلمين من الجنوب مع المسيحيين من الشمال ذوي الأغلبية المسيحية الكاثوليكية.
على الرغم من الهجمات الكثيفية والجرعات الثقيلة من قوة نيران القوات التي استخدمتها قوات الأمن الفلبينية، استطاع المتشددون الاحتفاظ بمدينة ماراوي لأكثر من ثلاثة أشهر. وكان ذلك الحدث أكثر إثارة للانتباه لأن قوة مكافحة التمرد ضمت نخبة من قوات العمليات الخاصة المدربة أميركياً -وقيل إن قوات أميركية عملت معها بهدوء أيضاً في أرض المعركة.
ما يزال الوضع في أرض المعركة في جنوب الفلبين غير أكيد اليوم. وقد ادعى رئيس الفلبين، رودريغو دوتيرت، أن ماراوي "تحررت" يوم 17 تشرين الأول (أكتوبر)، بعد يوم من قتل قوات الأمن الفلبينية اسنيلون هابيلون وعمر موات، أعلى قائدين للجهاديين في ماراوي. ومع ذلك، سوف تشكل حالة غياب الأمن والأزمة الإنسانية التي تلوح في الأفق تحدياً رئيسياً لجهود إعادة الإعمار في ماراوي. ومن المرجح، في الأثناء، أن يزداد التطرف بين السكان رداً على حملة الحكومة الدموية للتصدي للإرهاب، مما سيهدد عملية السلام بين مانيلا وجبهة تحرير مورو الإسلامية. ويشك خبراء في أن الرئيس دوتيرت قد يكون بالغ في عرض إحصائيات خسائر العدو بغية الإعلان عن تحرير ماراوي، مما يتيح المجال أمام المقاتلين الناجين للعودة إلى أماكنهم حيث يتمتعون بدعم محلي، ليعيدوا تجميع صفوفهم لقتال مستقبلي.
قد تكون ماراوي مؤشراً على الأشياء التي ستأتي. فمع تدمير معاقله في الشرق الأوسط، من المرجح أن يصبح "داعش" أكثر تشرذماً فيعمد إلى نقل انتباه أكبر لمناطق جديدة، تمتد من جنوب شرق آسيا إلى منطقة السهل الإفريقي. وقد يصبح المقاتلون الأجانب الذين قدموا إلى العراق وسورية من كل أنحاء العالم نواة للحركات المتمددة في مناطق أوطانهم الأصلية. ومع أفول خلافته، قد يحاول "داعش" مراجعة استراتيجيته عبر تشكيل مجموعات تابعة رسمية، في محاولة لإعطاء ماركته لمعاناً وتعزيزاً تمس الحاجة إليهما الآن.
لطالما كانت منطقة جنوب شرق آسيا حاضنة للتطرف والعنف الإسلامويين. وعلى سبيل المثال، كانت الجارة، إندونيسيا -أكثر بلد في العالم فيه سكان مسلمون- الموطن الأصلي لقادة رئيسيين في تنظيم القاعدة قبل هجمات 11/9. وفي الفترات الأخيرة أصبحت تشهد ارتفاعاً في حجم الاعتقالات المتعلقة بمخططات إرهابية لمتطرفين إسلامويين. ومع ذلك، فإن نواة الجهاديين الذين يقاتلون في الشرق الأوسط وربما يعودون إلى الفلبين وبلدان شرق آسيوية أخرى ما تزال صغيرة نسبياً مقارنة مع بلدان أخرى في مناطق أخرى مثل شمال إفريقيا. وعلى الرغم من ذلك، وبينما تنكمش "الخلافة"، فإنه يرجح أن تصبح الفلبين مفيدة بازدياد لمجموعة "داعش" كصمام أمان خارج الشرق الأوسط.
من المرجح أن تظل الفلبين هدفاً ناضجاً نظراً لعدد سكانها الضخم من المسلمين، ووجود حركات إسلاموية راديكالية عنيفة وغير عنيفة هامشية قبل ظهور "داعش"، وتساهل أنظمتها المالية الرسمية وغير الرسمية، وضعف المؤسسات المحلية، ووجود زعيم مثل ديوارت يقود إدارة أشرفت على أزمة في ماراوي أسفرت عن عشرات القتلى من المدنيين ومئات الآلاف من المشردين.
لكثير من الأعوام الخمسة عشر الماضية، كانت قوات العمليات الخاصة الأميركية نشطة في الفلبين، وتقوم بدعم الجيش الفلبيني ووحدات تطبيق قانون مكافحة الإرهاب كجزء من الحرب العالمية على الإرهاب. ويعد هذا الجهد الهادئ من بين أكثر حملات مكافحة الإرهاب نجاحاً في عملية "حرية الفلبين الدائمة"، التي تشكل أضخم جهد أميركي لمكافحة الإرهاب في المسرح الباسفيكي خلال الحرب على الإرهاب.
وكانت الولايات المتحدة قد أنهت هذه الحملة في العام 2015، وأصبحت أي نجاحات حققتها الآن تحت خطر التقويض لكونها قصيرة العمر: ففي أوائل العام 2017، استولت مجموعة مرتبطة بتنظيم "داعش" واحتفظت بمدينة رئيسية كانت القوات الأميركية الخاصة قد ساعدت في الدفاع عنها لأكثر من عقد -مما أثار قلقاً مباشراً عند صانعي القرار الأميركيين.
على الرغم من أن دعم الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب في عمية تحرير ماراوي من المجموعات المرتبطة بتنظيم "داعش" يظهر رغبة في التدخل في الفلبين في حال تفجر أزمة، فإنه يفعل القليل لإظهار أن نوع الدعم العسكري الأميركي الذي قدمته الولايات المتحدة لقوات الأمن في الفلبين في السابق كان مناسباً كحل طويل الأمد للحيلولة دون أن تتحول الفلبين إلى ملاذ آمن للإرهابيين الإسلامويين المتطرفين. وعلى ضوء مدى التمدد المفرط للقوات الأميركية في أرجاء العالم، يبدو من غير المرجح أن يكون هناك الكثير من التحمس إلى التزام جاد بالتدخل في بلد آخر.
لن يكون تعامل ترامب ولا ديوارت مع شروط تتضمن التزاماً أطول ومفتوح النهاية بنشر القوات متوافقاً مع السمات الشخصية للرجلين. وقد أظهرا كلاهما تفضيلاً للأعمال الأقصر زمناً والأكثر حسماً. ومن شأن ذلك قطع الطريق أمام احتمال اتباغ نهج "غير مباشر"، والذي يتضمن التدريب والتجهيز وإسداء المشورة لوحدات مكافحة الإرهاب الفلبينية كجزء من التزام أطول للمساعدة في ضمان منع أزمة محتملة قبل أن تتفاقم وتبلغ ما بلغته الأزمة في ماراوي. كما أن عمليات القتل الجماعي التي نفذتها قوات الأمن الفلبينية المدعومة من ديوارت تحت ستار "الحرب على المخدرات" تثير السؤال عن نوع الدعم العسكري الأميركي المحتمل.
إن التمرد الإسلاموي والنشاط الإرهابي حيان وفعالان ونشيطان في جنوبي الفلبين. وقبل انتهاء هذا القتال، سوف تكون هناك المزيد من الضربات والضربات المضادة بين الإسلامويين والنظام على وجه التأكيد.
وعلى الرغم من أن إدارة ديوارت ادعت بأنها ملتزمة بإنهاء هذا القتال، فإن تاريخ الفلبين كملاذ رئيس للمتمردين الذين تدفعهم أيديولوجية إسلاموية راديكالية يدل على أن وضع حد للقتال سوف يكون أكثر من صعب في الممارسة العملية.
وحتى لو فشلت الفلبين في التحول إلى عقدة رئيسية في الشبكة العالمية المتقلبة لتنظيم "الدولة الإسلامية" فإنها سوف تظل على الأرجح أرضاً خصبة للتجنيد والتمويل وانتشار الدعاية التي تستلهم "داعش" أو تدعم التنظيم وأجندته العنيفة بشكل مباشر.

*باتريك جونستون: محلل سياسي رفيع في مؤسسة "راند" غير الربحية وغير الحزبية. كوين كلارك: عالم سياسي في مؤسسة "راند" وزميل مشارك في المركز الدولي لمكافحة الإرهاب –لاهاي.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان:

?Is the Philippines the Next Caliphate

التعليق