التفاف العائلة حول مائدة الطعام ينثر الحب بين أفرادها

تم نشره في الجمعة 15 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • تواجد الأب والأم على وجبة الطعام له وقع خاص على الأبناء وكأن لديهم مناسبة جميلة -(أرشيفية)

منى أبوحمور

عمان- لم تكن تعلم الثلاثينية مجد سليماني، حجم الفرحة الكبيرة التي يشعر بها أبناؤها عند مشاركتها وزوجها وجبة الطعام معهم، الأمر الذي يبدو واضحا على طريقة تناولهم الطعام وتعدد المواضيع التي يناقشونها، محاولين استغلال كل لحظة يقضونها على السفرة.
حال مجد لا يختلف كثيرا عن حال العديد من الأمهات والآباء الذين يتعذر عليهم مشاركة أبنائهم وجبة الطعام بشكل يومي، لانشغالهم في تأمين متطلبات المنزل والعمل لساعات طويلة، الأمر الذي لا يمكن للأولاد فهمه أو اعتباره عذرا لعدم تواجدهم.
"لا يمكن لوجبة الطعام أن تكون مكتملة إذا لم يجلس عليها الأب والأم"، هكذا اعتادت الثلاثينية أحلام علي منذ صغرها، فلم تذكر يوما أنها جلست وإخوتها إلى مائدة الغداء بدون حضور والديها، إلا إذا كانا خارج البلاد.
وتبين أحلام حرصها الكبير على الاستمرار بما قام به والداها مع أبنائهما؛ حيث تحرص على أن تكون متواجدة هي وزوجها على وجبة الطعام الرئيسية، خصوصا يوم الجمعة.
وتقول "لا يمكنني أن أحرم أبنائي من مشاعر العطف والحنان، الثقة والأمان التي كنت آخذها من وجود والدي على "السفرة"، وهو ما تسعى إلى تحقيقه مع أبنائها وترى آثاره الإيجابية عليهم".
ويجهل الكثير من الآباء والأمهات أهمية اجتماع الأسرة وجبة الطعام والدور الكبير لهذه الخطوة في تربيتهم وتنمية مهاراتهم وإكسابهم العديد من الخبرات، وفق خبراء علم النفس والتربية.
وأجمع الخبراء على أن مشاركة الأب والأم أولادهما وجبة الطعام، تعطي مجالا لفتح قنوات الحوار بين جميع أفراد العائلة وتنمي حس الانتماء للأسرة والمسؤولية بضرورة التواجد في هذا الوقت المعين خلال اليوم، الأمر الذي يعتبره كثيرون خطوة سليمة في التربية.
وكذلك يحرص الأربعيني مهند الطيب، على التواجد دائما على وجبة طعام السادسة مساء التي تجمعه بأبنائه وبناته بعد يوم طويل في العمل، وكذلك انشغال أبنائه في الدراسة والمدرسة.
ويلفت مهند إلى اعتقاده بأهمية "الجمعة العائلية على وجبة الغداء"، إلا أن الظروف في كثير من الأحيان تجبره على التغيب عن المنزل، لكنه يعوضها لهم في مرات أخرى.
في حين يعتبر عبدالله حازم ذو العشرة أعوام وجود والديه على وجبة الغداء من أجمل الأوقات، واصفا الفرحة الكبيرة التي يشعر بها وإخوته عند تناولهم الطعام.
ويقول "ليس الأكل فقط ما يميز جمعتنا وإنما أيضا الحديث الذي يدور بيننا"، فضلا عن المواقف الطريفة التي يقوم بها أخوه الصغير التي تضحك الجميع وتترك ابتسامه على وجوه الجميع.
ومن جهته، يبين أخصائي علم النفس التربوي، الدكتور موسى مطارنة، أن وجود الأب في الأسرة يمثل الأمان والحماية بالنسبة للأولاد ويمنح حالة من الطمأنينية والراحة النفسية لهم.
ويرى أن وجود الأب أثناء تناول وجبة الطعام يشعر الأطفال بألفة الأسرة ودفئها والاهتمام من قبل الوالدين، فالأب هو القدوة في البيت ووجوده على وجبة الطعام يعلمهم السلوك الجيد وسلوكيات تناول الطعام، فكثير من الأحيان يقلد الأبناء طريقة تناول والدهما للطعام ويحبون ما يحب من الأكل وكيف يتصرف على طاولة السفرة.
ويشير مطارنة إلى أن تواجد الأب والأم على وجبة الطعام له وقع خاص على الأبناء وكأن لديهم مناسبة جميلة، مبينا أن فقدان الأبناء للأب عند تناول وجبات الطعام وفي جلسات المنزل والمناسبات يسبب حالة من الفراغ والفجوة النفسية الكبيرة لدى الأطفال ويفقدهم القدوة بوجود الأب.
"وجود الأب يشكل حالة إنسانية كبيرة في الأسرة تمثل سلوكا وعالما خاصا للأبناء"، لذلك فإن فقدانه في الأوقات التي تمثل الذروة فيها وجبة الطعام وجلسات النقاش والسهرة هو فقدان للثقة، وهذا يعني عدم الإحساس بالأمان والدفء والحماية الذي يوفره الوالدان بوجودهما.
ويقول مطارنة "إن الأبناء لا يستمتعون بأي مكان لا يتواجد فيه الأب والأم، لذلك فله تأثيرات كبيرة على صحة وسلامة الأسرة والصحة النفسية لها والبناء الصحيح لشخصية الأبناء، لذلك فلابد من الوالدين الاهتمام بموضوع التواجد مع أبنائهما في المناسبات ومشاركتهما وجبة الطعام".
ومن جهتها، تؤكد التربوية الأسرية رولا خلف، أهمية أن يكون هناك يوم واحد على الأقل يجتمع فيه الأهل على وجبة الطعام ويتواصلون مع بعضهم بعضا بدون استخدام الهواتف والإنترنت التي قضت على العاطفة بين أفراد الأسرة وغيبت الحوار.
وتلفت إلى دور التنشئة الوالدية في ترسيخ هذه العادات القيمة منذ الصغر، التي لها دور كبير في تنظيم العلاقات الأسرية والحفاظ عليها، مبينة أن مشاركة الوالدين لأبنائهما في وجبة الطعام تشعرهم بالأمان والاستقرار، فيبدأون بمحاورتهما وتبادل أطراف الحديث.
وتشدد خلف على ضرورة أن يبتعد الأهل عن النكد أو افتعال أي مشاكل على وجبة الطعام وأن تكون العاطفة والاحترام المتبادل هما السائدان على الجلسة.
والهدف، كما تقول، ليس في الأكل وإنما في طرح مواضيع مختلفة وفتح قنوات الحوار بين أفراد الأسرة والتوصل إلى بعض القرارات التي تتعلق بالأسرة ومشاركة الأبناء في اتخاذ القرارات والأخذ بآرائهم بكل ما يحدث معهم في المنزل وخارجه أو في المدرسة.
وتعتبر خلف مشاركة الوالدين لأبنائهما في وجبة الطعام نوعا من أنواع التواصل البصري والسمعي، تمكنهم من فهم لغة جسدهم، مؤكدة ضرورة أن يلقي الوالدين وراء ظهورهما كل ما يكدر صفوهما ومشاكل عملهما والضغوطات الاقتصادية وراء ظهرهما حتى وإن كانت تسبب لهما التوتر.

التعليق