د.أحمد جميل عزم

نائلة .. الانتفاضة.. أرجوحة شعر زهرة

تم نشره في الجمعة 15 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:04 صباحاً

بعد اتصالات ومراسلات مكثفة مع عائلة الشهيد، تمكنت من كتابة مادتي عنه. كان ذلك قبل سنوات، وكنت أكتب عن مناضل صلب قضى نحو خمسين عاماً في الثورة، والتمهيد لعودة أبنائه لوطنهم. وجاءني تعقيب ابنته على ما نشرته، أنّها كانت تتوقع أكثر. شعرتُ بخيبةٍ واعتذرتُ أني خيّبت أمّلها. وبعد أشهر، جاءتني رسالة أخرى؛ أنّها وأشقائها لا يعرفون قصّة والدهم، فرغم أنّه عاش معهم، إلا أنّهم لا يعرفون الكثير عن سيرته النضالية، ويفاجأون دائماً بقصص جديدة. وبعد حين، علمت أن صديقي، الأستاذ الجامعي، سيزور فلسطين، وكان قد أخبرني أنّه لم ير والدهم (الشهيد) إلا في المعارك في لبنان، ويقول إنّ قصته ستبقى غريبة، "فقد كُنّا نلتقي في المعارك.. ونقاتل معاً"، وعندما تنتهي المعارك لا نلتقي، رتبتُ أن يلتقوا معاً. زاروه في فندقه، واتصلتُ به لَيلاً، فأخبرني بمزيج ضحك وحزن، "تحدثتُ لهم عن أبيهم وتحدثوا لي عنه وعنهم، وبكينا". 
طرقت هذه المشاهد ذاكرتي وأنا أتابع المشهد الأول من فيلم "نائلة والانتفاضة"، الذي يجري إطلاقه في عواصم مختلفة هذه الأيّام بالتوازي مع الذكرى الثلاثين للانتفاضة. وهو يتحدث عن الانتفاضة الأولى العام 1987، من بوابة قصّة نائلة عايش، المناضلة في الجبهة الديمقراطية، حينها، ومجد ابن نائلة، يقول في هذا المشهد، إنّه لم يعرف القصّة الكاملة يوماً.
إذا كُنتَ تعيش في فلسطين، وخصوصاً رام الله، فعليكَ اعتياد إرهاق القصص، وأنّ لكل شخص يمر بجانبك قصته المختبئة. فمثلاً، يصيبني أرقٌ في الليل، فأحمل كتاباً أحضرته من بيروت لأجد موضوعه لا يعنيني، عن شخصية ثقافية لبنانية لا "أحبها"، أتصفح قصة عن تل الزعتر، ويمضي المؤلف كيف اتصل مع بطلة القصة في رام الله بعد عودتها، وعن نشاطها الفني لمحو آثار المجزرة في الروح، ثم في الفقرة الختامية يذكر تفاصيل عائلتها، فتأتي الصفعة: إذاً هذه والدة طالبتي (غ)!، وعندما كتَبَت واجبها عن نظريات الصراع في الأغنيات، كانت تمسُ تجربة أمها!
نائلة هي زوجة الصديق جمال زقوت، وصدفتهما سوياً أحياناً، وأعلم أنّ جمال الذي عرفته أثناء توليه مهامه في حكومة سلام فياض، خصوصاً في الإعلام والعلاقات العامة، كان من القيادة الوطنية الموحدة، للانتفاضة، وأُبعد حينها للخارج، مع مجموعة من المناضلين، ولكني لم أسمع منه يوماً القصة الشخصية، التي يرويها الفيلم.
التقَت اللاجئة من لفتا، باللاجئ في غزة، أثناء الدراسة في بلغاريا والنشاط الطلابي هناك، ليتزوجا بعد عودتهما. وتعتقل نائلة قبل الانتفاضة، وتجهض جنينها أثناء التعذيب، وتحدث هبّة إعلامية فيُطلَق سراح نائلة. وتحمل ثانية، وقبل ولادة الطفل، يُعتقل جمال ويُبعد للخارج. وتستمر نائلة، تحمل مجد في حمالة على ظهرها وتوزع البيانات الثورية، أحياناً في ربطات الخبز. ثم تعتقلها القوات الإسرائيلية إداريّاً لستة أشهر، فلا يبقى للطفل من يعتني به، وبعد شد وجذب، تقترح السلطات الإسرائيلة انضمام مجد لأمه في المعتقل.
تبدع مخرجة الفيلم البرازيلية جوليا باشا، وهي تستخدم الرسوم المتحركة لتروي حياة مجد في المعتقل، وترسم المناضلة زهرة التي يُقابلها الفيلم، وهي محجبة الآن، وتروي كيف حولت شعرها لأرجوحة يمسكها مجد ليستعين بها في خطواته الأولى، ثم تصبح شعور الأسيرات مراجيحه، وتصورها رسومات الفيلم كأنها حديقة ألعابه الخاصة.
تروي المبدعة رولا سلامة، مسؤولة الإنتاج والتصوير، (في ندوة) كيف استغرق الفيلم 4 سنوات ونصفا، دخلت أثناءها بيوتا وأماكن وجود 88 شخصاً قابلتهم للفيلم، كيف واجهت مشكلة مع جزء ممن قابلتهم ورفضوا رواية قصتهم؛ فرواية القصة أمر مؤلم بحد ذاته، وكشف الذات مقلق، فكثيرون مستعدون لرواية قصتهم شرط أن لا يظهروا بوجوههم في الفيلم. وكيف أخذها إقناع نائلة لتروي قصتها وتظهر في الفيلم 18 شهراً، وكيف حاولت نائلة إيجاد طريقة لرواية القصة بشكل غير شخصي، وأن تبقى هويتها مجهولة.
ما يزال تَمَنُّع الكثير من المناضلين عن سرد قصتهم أمرٌ يستحق البحث، ولكن نائلة وجمال، يكشفان جانباً؛ هو محاولة تجنيب ابنهما المزيد من التفاصيل المؤلمة التي عانى منها في طفولته، قبل أن يصل سن الوعي. وقد حاز مجد الآن شهادتَي ماجستير في القانون الدولي، ولكنّ هذا لا يلغي ألم وأثر التجربة.      

التعليق