سنغافورة في خطر بينما "داعش" يتوزع

تم نشره في السبت 16 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً
  • قوات الأمن السنغافورية تجري تمرين محاكاة للتعامل مع حادث إرهابي - (أرشيفية)

نايل بويي - (آسيا تايمز) 1/12/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

بينما ضربت هجمات مرتبطة بالإرهاب الدولي دولا عدة في جنوب شرق آسيا، ما تزال سنغافورة تتمتع بالحصانة منها حتى الآن. ولكن، بينما يشق "داعش" طريقه أعمق في داخل المنطقة أصبحت الدولة-المدينة في أعلى مرحلة من الإنذار بالتعرض لتهديد إرهابي في أعوام.
ويُعتقد بأن مجموعات الإرهاب العابرة للقوميات تنظر إلى الدولة الجزيرة على أنها هدف رمزي بسبب مكانتها كمركز مالي عالمي له روابط استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة. وهي تشارك في التحالفات الدولية ضد الإرهاب وعلى أرضها أهداف غربية عدة، بما فيها سفارات ومنشآت عسكرية.
كانت سنغافورة قد عززت استراتيجيتها لمكافحة الإرهاب في الأعوام الأخيرة، فشكلت فرقاً من القوات المتخصصة واستجابات الطوارئ، وضاعفت جهودها لتنبه الجمهور وزيادة حسه باليقظة والحذر. وتجري السلطات تمارين على الجاهزية، والتي تحاكي التعامل مع هجمات على أهداف مهمة.
الإحساس بالهشاشة، الذي لطالما شكل جزءاً من النفسية الوطنية للدولة الجزيرة بسبب القلاقل الجيوسياسية الكثيرة والقرب من أماكن التوتر للتشدد الإسلاموي، لم يغب عن بال كبار المسؤولين في سنغافورة.
وفي الحقيقة، أشار رئيس الوزراء، لي حسين لونغ، خلال مناسبات عدة في العام الماضي، إلى أن سنغافورة تعمل طبقاً لتوقع "متى"، وليس ما "إذا" كان هجوم إرهابي سيحدث فيها.
وفي منتدى في قاعة البلدة في أيلول (سبتمبر) الماضي، أقر لي بالوتيرة المتصاعدة لتواجد سنغافوريين تطرفوا ذاتياً وكانوا يسعون إلى الانضمام للمتشددين في سورية، وإلى تنفيذ هجمات عنيفة في الوطن.
سوف يكون حجم الخسارة الناجم عن أي هجوم كبيراً. وسوف يؤدي توجيه ضربة إرهابية ناجحة ضد المركز المالي للبلد أو ضد ميناء الحاويات، وهو من أكثر المرافق العالمية نشاطاً، إلى زعزعة استقرار سنغافورة الاقتصادي والمنطقة كلها، ومن المرجح أن تكون له تبعات نفسية وعاطفية عميقة في نفسية المجتمع السنغافوري.
إذا تم شن هجوم باسم الإسلام، فسوف تؤدي الشكوك والعداوة بين المسلمين وغير المسلمين إلى تعقيد العلاقات المجتمعية في الدولة متعددة الأعراق. ووفق بيانات جمعتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، فإن 14.3 % من أصل سكان سنغافورة البالغ عددهم 3.9 ملايين نسمة يعرفون أنفسهم بأنهم مسلمون.
وفي الأثناء، يجهز المواطنون السنغافوريون أنفسهم لهذه الاحتمالية. وقد شاهد المئات منهم هجوماً إرهابياً وهمياً يحاكي هجوماً بالبنادق والقنابل يوم 26 تشرين الثاني (نوفمبر) كجزء من تمرين في "يوم الاستعداد للطوارئ"، حيث يجري نقل وإخلاء سكان بمهارات إسعافات أولية بدائية، وتنفيذ تدريب على إنعاش القلب والجهاز التنفسي -وحتى على كيفية تشغيل جهاز إطفاء الحريق.
وكانت سنغافورة قد أجرت "تمرين نجم الشمال" -وهو تمرين دفاع مدني واسع النطاق يجري سنوياً منذ العام 1997، لأول مرة هذا العام في مطار شانغي، بما يعكس تقييمات رسمية بأن أماكن النقل الرئيسية تشكل أهدافاً رئيسية للإرهاب. وحاكت المرحلة الثانية من التمرين هجمات بمركبة على مناطق مكتظة بالناس وتفجير في مكان تبديل حافلات الركاب.
وشمل سيناريو التمرين ما يقدر بنحو 650 ضابطاً من مختلف الأجهزة، وتضمن رجالاً مسلحين يطلقون النار على حشود من الناس وتفجيراً انتحارياً والعثور على متفجرات متنقلة. وشاهد رئيس وزراء سنغافورة شخصياً تمرين الصباح المبكر في مطار شانغي مع مسؤولين حكوميين آخرين.
وقالت وزارة الداخلية في أول تقرير لها حول تقييم تهديد الإرهاب لسنغافورة، والذي نشر في حزيران (يونيو) الماضي: "تعد سنغافورة هدفاً رئيسياً. فقد شاركنا في تحالفات دولية ضد الإرهاب، ونحن نمثل العديد من الأشياء التي يعتبرها داعش بغيضة". ووصف التقرير التهديد الذي تواجهه سنغافورة بأنه "خطير جداً".
كما حدد التقرير سنغافورة بأنها هدف محتمل لاستضافة مصالح اقتصادية وتجارية أميركية وغربية أخرى، مشيراً إلى نشرة جهادية باللغة العربية تدرج موقعين، مبنى بورصة سينغافورة والميناء، على قائمة الأهداف المرشحة للضرب. وردت السلطات في سنغافورة بتصعيد الإجراءات الأمنية في المنطقتين.
بينما تتواصل التهديدات من المجموعات العابرة للقارات مثل تنظيم القاعدة والجماعة الإسلامية، تعتقد السلطات السنغافورية بأن الخطر الإقليمي الأكثر جدية يأتي الآن من "داعش" بعد أن حاصر لخمسة أشهر مدينة ماراوي في مندناو، ثاني أكبر جزيرة في الفلبين.
ومع أن القوات الفلبينية انتصرت في النهاية، فإن المخاوف ما تزال ماثلة من قدرة المجموعة على إعادة رص صفوفها والانتشار في شبكة إقليمية أوسع. ويقول روميل بانلاوي، رئيس معهد الفلبين لأبحاث السلام والعنف والإرهاب، إن تحرير ماراوي "لا يعني نهاية التنظيم الإرهابي".
ويضيف: "إنهم أنظمة معقدة وقادرة على التأقلم. وقد أظهر حصار مدينة ماراوي قدرتهم على تنفيذ هذا النوع من العمليات وكشف محدوديات قوات الحكومة". كما أنه أظهر قوة وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الرسائل المشفرة كآليات لتجنيد المتشددين.
ومن جهته، ادعى نغ انغ هن، وزير الدفاع السنغافوري، بأن السنغافوريين تطرفوا في العام الماضي بمعدل يعادل سبع مرات أعلى من الفترة الممتدة بين العامين 2007 و2014، عندما تم اعتقال 11 متطرفاً سنغافورياً مشتبهاً بهم بموجب قانون الأمن الداخلي، قانون الحقبة الكولونيالية البريطانية الذي يجيز الاعتقال من دون محاكمة.
ومنذ العام 2015، عرف أنه تم إصدار ستة أوامر احتجاز و11 أمر اعتقال بموجب القانون المذكور، وكانت كلها تتعلق بمتشددين إسلامويين مشكوك فيهم. وكانت الحكومة قد استهدفت أشخاصا عدة لمشاركتهم في نشر مواد مؤيدة لتنظيم "داعش" على الإنترنت والتخطيط لحمل السلاح في سورية.
في العام الماضي، أطلقت حكومة سنغافورة مبادرة استجابة المجتمع من الأعلى إلى الأسفل، والتي عرفت باسم مبادرة "أمن سي جي" والتي عرفتها بأنها "حركة وطنية" الهدف منها تعبئة المجتمعات المدنية للعب دور في منع وقوع الهجمات الإرهابية والتعامل معها.
وكانت سلطات وزارة الصحة السنغافورية قد دشنت خدمة "أمن سي جي" في العام الماضي بهدف إصدار تحذيرات وإرشادات عامة في حال وقوع حادث كبير. كما تتضمن خدمة "تعرف، وصور وأرسل" والتي تمكن المستخدمين من تصوير نشاط مشكوك فيه والإبلاغ عنه مباشرة للسلطات.
تفتخر سنغافورة بأنها تتوافر على أعلى معدل في العالم لاستعمال الهواتف الذكية، وقد انتشر تطبيق خدمة "أمن سي جي" إلى أكثر من 550.000 جهاز هاتف نقال اعتباراً من حزيران (يونيو) الماضي.
يقول محمد نواب محمد عثمان من كلية أس راجارتنام للدراسات الدولية، إن "سنغافورة تشهد حالياً أمناً محسناً. وحقيقة أننا من أكثر الحواضر التي لم تشهد هجوماً إرهابياً تبين أن نظامنا الأمني متماسك تماماً".
كانت السلطات قد أحبطت في آب (أغسطس) الماضي مخططاً للمتشددين الإسلاميين لإطلاق صواريخ من جزيرة باتام الأندونيسية، التي تبعد حوالي 10 أميال إلى الجنوب من سنغافورة، لاستهداف خليج مارينا، متنزه الواجهة المائية الفخم ومقصد السواح في الدولة-المدينة. وتم إخطار السلطات الأندونيسية بالأمر، فشنت غارات فجراً على المشتبه بهم وأفشلت الهجوم المزمع.
يشار إلى أن سنغافورة كشفت عن مخطط للجماعة الإسلامية في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2001، والذي استهدف السفارتين الأميركية والإسرائيلية والمندوبين الساميين الأسترالي والبريطاني. واقتيد نحو 37 مشتبهاً به إلى الحجز خلال موجتي اعتقالات رداً على المخطط، مما أعاق شبكة مجموعة الجهاديين في سنغافورة، لكنه وضع الجزيرة-الدولة تماماً في خريطة الإرهاب العالمي.
بعد ذلك، تم الإفراج عن أربعة من المشكوك فيهم قيد بينما استمر الآخرون في الاعتقال بموجب قانون الأمن الداخلي. وهم يضمون ماس سيلامات بن كاستاري، السنغافوري الأندونيسي المولد وزعيم الجماعة الإسلامية، والذي كان قد هرب من مركز اعتقال سنغافوري مشدد الحراسة في العام 2008، ولكن تمت إعادة اعتقاله في نهاية المطاف في ماليزيا وأعيد إلى سنغافورة حيث ما يزال رهن الاعتقال.
كان هروب ماس سيلامات وما تبع ذلك من تعقبه ومطاردته في كل الجزيرة أمراً محرجاً للسلطات السنغافورية. وتهدف جهود مكافحة الإرهاب عالية الوتيرة في المدينة-الدولة وتمارين الجهوزية الآن إلى ردع أي انتقاد للمرونة في حال وقوع هجوم.
يقول مايكل بار، الأستاذ المشارك للعلاقات الدولية في جامعة فليندرز في أستراليا: "إن أي هجوم إرهابي فعلي، رغم أفضل جهد حكومي، سوف يساعد حزب العمل الشعبي على حشد الناس وراء العلم"، كما يقال. وأضاف: "(لكن) إذا نظر إلى الهجوم على أنه نتيجة لعدم كفاءة الحكومة، فسيكون هناك سيناريو مختلف تماماً".

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Singapore on edge as Islamic State circles

abdrahaman.alhuseini@alghad.jo

التعليق