إبراهيم غرايبة

سورية والتعاون لأجل المستقبل

تم نشره في السبت 16 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:08 صباحاً

شارك في البرنامج الإسباني "تحضير – مسار" بالتعاون مع وكالة التعاون الإسبانية والاتحاد الأوروبي أكثر من خمسين قائدا اجتماعيا سوريا يعملون وينشطون في سورية، وقد جاءوا من سورية إلى عمان للمشاركة في ورش عمل عقدت في عمان بمشاركة مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، وكانت فرصة مهمة ومفيدة للتفكير المشترك سواء بين الناشطين في مجال المجتمع المدني في مختلف المدن  والمناطق السورية أو بينهم وبين الناشطين الاجتماعيين من اللاجئين السوريين في عمان، ويمكن ملاحظة روح إيجابية قوية وحماسة لدى الشباب السوريين في اللجوء وفي سورية لإعادة بناء العيش المشترك ووقف الصراع العنيف. لقد أفادتني كثيرا المشاركة في هذا البرنامج للتعرف والاستماع عن كثب وملاحظة الأفكار والتصورات المتشكلة في داخل سورية وعلى نحو مباشر من الناشطين الاجتماعيين أنفسهم الذين يعملون متطوعين او متعاونين في مؤسسات المجتمع المدني السوري.
يقول أمارتيا سن إن مقدراتنا العاطفية والإدراكية لا تحظى سوى بإدراك عشوائي في المجتمع الحديث. فالأشخاص قادرون على القيام بأكثر مما تسمح لهم المدارس وورشات العمل والمنظمات المدنية والأنظمة السياسية القيام به. وأظن أنه في مقدور السوريين اليوم اكتشاف أنفسهم من جديد وملاحظة الطاقات الكامنة لإعادة بناء عقد اجتماعي ديمقراطي يتسع للسوريين جميعهم بلا استثناء، لكن التعاون والتسامح ليس فقط مجموعة من القيم والأخلاق، بل إن هذا الجانب في التعاون لا يشكل سوى جزء ضئيل من مهارات وتقاليد العيش المشترك، وفي ذلك فإن العمل التحضيري لسورية المقبلة في فضائه الاجتماعي العام وغير الرسمي يعتمد على عمليات إصغاء واسعة وعميقة بين الأطراف والفئات والطبقات وجميع المكونات الاجتماعية السورية.
يقول ريتشارد سينيت أستاذ علم الاجتماع الأميركي إن التعاون موجود في جيناتنا، لكنه يلزمه تطوير وتعميق. وهذا أمر يكتسب أهمية خاصة عندما نتعامل مع بشر لا يشبهوننا حيث يكون التعاون جهدا متطلبا. والتفكير في التعاون كمسألة أخلاقية يعيق فهمنا، لكن يجب النظر إلى التعاون ودراسته كحرفة تتطلب من البشر مهارة في الفهم والاستجابة للآخر، كي ننجح في العمل سوية. لكن التعاون يبقى حرفة شائكة مليئة بالصعوبات، ويكتنفها الغموض، وتقود في أحيان كثيرة إلى عواقب هدامة.
لقد تحركت الأمم على مدى التاريخ في بناء حضاراتها ومواجهة أزمة مستلهمةً فكرة قديمة للإنسان كصانع لنفسه – صانع الحياة، هكذا نلاحظ الرابط بين الكيفية التي يصوغ بها الإنسان جهده الشخصي والكيفية التي يقيم بها علاقاته الاجتماعية وبين البيئة المادية المحيطة. وربما لأجل ذلك تصعد بقوة مؤثرة الروابط القبائلية والعشائرية لأنها استجابات مدعومة بذاكرة وتجارب طويلة ومتراكمة في التاريخ والذاكرة كما أنها مصحوبة بمشاعر قوية من القرابة والانتماء والروابط. فهي تضامن مع آخرين مشابهين لنا، وبحث عن عدائية ضد من هو مختلف، كما أنها وهذا الأكثر حضورا وأهمية في التشكيل الغرائزي للكائنات الحية عمليات دفاع طبيعي، لأن معظم الحيوانات الاجتماعية هي قبائل تصطاد سوية على شكل قطعان وتعلِّم حدود أراضيها لتدافع عنها، لذلك فإن الحالة الجماعية (سواء كانت قرابية أو دينية أو طائفية أو اثنية) ضرورة للبقاء.
يمكن للتعاون أن يترافق مع التنافس، ويمكن ملاحظة ذلك في الألعاب وفي الأسواق والانتخابات والمفاوضات الدبلوماسية. وليس شرطا لأجل أن نتعاون أن نكون متضامنين في كل شيء أو تربطنا مشاعر قوية من الانتماء والمودة، فالمهارة هي أهم ما يحتاجه التعاون، والمهارة هي تقنية إحداث أمر ما أو إجادة صنعه، وكان ابن خلدون يرى أن المهارة هي ميزة الحرفي.

التعليق