المطلوب من أوروبا

تم نشره في السبت 16 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:04 صباحاً


تقول وسائل الإعلام الإسرائيلية، إن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عاد من أوروبا في الأسبوع المنتهي، خالي الوفاض. وفشل في تغيير، أو حتى تليين الموقف الأوروبي من القرار الأميركي العدواني بشأن القدس. والتصريحات الصادرة من دول أوروبا المركزية تدعم هذا الاستنتاج، إلا أن المطلوب من دول الاتحاد الأوروبي الكبرى، أن تنتقل من التصريحات إلى المسار العملي، بالضغط على الاحتلال الإسرائيلي، كموقف ند للسياسة الأميركية.
فحقا، إذا كانت هناك "ايجابيات" في قرار دونالد ترامب، المتماثل كليا مع اليمين الاستيطاني الصهيوني المتطرف، هو أنه أظهر كما هائلا لا نذكر مثيلا له، من عدد دول العالم الرافضة للقرار الأميركي، وبشكل خاص وحدة الموقف لدى الدول الكبرى. فمثلا، لا نذكر متى كان آخر موقف للمملكة البريطانية المتحدة ضد موقف أميركي من القضية الفلسطينية بهذا الوضوح. رغم أن بريطانيا، ورئيسة حكومتها تيريزا ماي، كانت قد احتفلت في الشهر الماضي، بمرور مائة عام على تصريح بلفور المشؤوم.
وهذه هي المرّة الثانية في العام الجاري، التي يتلقى فيها نتنياهو صفعة أوروبية، بسبب سياسة حكومته العدوانية، إذ كان هذا في شهر شباط (فبراير) الماضي، حينما صدر موقف أوروبي موحد، من قانون سلب ونهب الاراضي الفلسطينية بملكية خاصة، الذي أقره الكنيست في مطلع العام الجاري.  
ويسعى نتنياهو منذ أن عاد الى رئاسة الحكومة في العام 2009، للادعاء بأن سياسته الاحتلالية والعدوانية، لا تلقى اعتراضا في العالم، وأنه بصدد إقامة تحالفات جديدة لإسرائيل، خاصة في أوروبا. وقد روّج نتنياهو كثيرا لتطور العلاقات مع ألمانيا بزعامة أنجيلا ميركل، إلا أن هذه العلاقات التي شهدت "حميمية" زائدة، في الماضي القريب، انتقلت إلى فتور ما في العام الجاري، إذ كانت المانيا ممن دعوا إلى اتخاذ خطوات ضد إسرائيل، على مستوى الاتفاقيات المبرمة مع الاتحاد الاوروبي، على خلفية السياسات الاستيطانية، وقانون نهب الأراضي.
كما أن إسرائيل دخلت إلى مسار صدام مع عدد من الدول الأوروبية، على خلفية القوانين ومبادرات القوانين التي تستهدف مراكز حقوقية، ومراكز وجمعيات مناهضة للاحتلال، تحصل على تمويل مباشر من صناديق أوروبية.
ولكن هذا وحده لا يكفي، والبيانات والتصريحات الصادرة في الآونة الأخيرة، على ألسنة قادة وساسة أوروبيين، ليس لها أي مفعول للجم العدوانية الإسرائيلية. وبيد الاتحاد الأوروبي الضغط على إسرائيل أكثر من غيرها. فدول الاتحاد الأوروبي تستورد أكثر من 35 % من الصادرات الإسرائيلية إلى العالم. كما أن البضائع الإسرائيلية تستفيد من تسهيلات جمركية في الأسواق الأوروبية، باستثناء بضائع المستوطنات من كافة المناطق الفلسطينية والسورية المحتلة منذ العام 1967، والتلويح بإعادة النظر بهذه الاتفاقيات من شأنه أن يشكل ضربة قاصمة للاقتصاد الإسرائيلي، الذي يرتكز نموّه السنوي بقدر كبير على الصادرات.
إن مصداقية موقف الدول الأوروبية هو بالأفعال، وبأشكال الضغط على الكيان الإسرائيلي، خاصة في هذه المرحلة، التي تتيح لأوروبا أن تتخذ مواقف أكثر استقلالية، في ظل الإدارة المسيطرة على البيت الابيض، التي قد لا تصمد حتى انتهاء ولايتها القانونية، أو أنها قد لا تعود بعد الانتخابات القادمة، وهذا ما تدل عليه نتائج الانتخابات الجزئية، التي تجري في بعض الولايات منذ وصول ترامب الى سدة الحكم؛ إذ أن الحزب الجمهوري يخسر كل موقع انتخابي ينافس عليه.
وعلى الرغم من هذا، فإن نتنياهو الغارق مع عدد من وزرائه وأعضاء كنيست، بشبهات فساد ضخمة، يعلن أن دولا أخرى ستلحق بواشنطن، بما يتعلق بالقدس، إلى جانب تصريحات وزرائه التي لا تتوقف، عن "انفراج" في العلاقات في العالم وبينها عربية. وقد علمت تجارب السنين، أن نتنياهو هو من أكثر الزعماء الإسرائيليين كذبا وتزييفا للحقائق، ونأمل أن أحاديثه عن "الانفراجات"، ما هي إلا موجة مزاعم كاذبة أخرى، يحاول نتنياهو تعميمها.

التعليق