المارد الذي تحرر لم يعد إلى القمقم

تم نشره في السبت 16 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • أفراد من السرايا الخاصة في كتائب القسام - (أرشيفية)

هآرتس

عاموس هارئيل  15/12/2017

هذا هو التقدير الحديث حسب ما قدمته أمس الاستخبارات للمستوى السياسي. على الرغم من اطلاق النار الواسع نسبيا من قطاع غزة، على الاقل 24 قذيفة في الايام التسعة الاخيرة فإن حماس غير معنية بالمواجهة مع إسرائيل. سلطة حماس في القطاع أرخت الحبل قليلا للمنظمات السلفية المتطرفة (وربما أيضا الجهاد الاسلامي) بعد خطاب الرئيس ترامب في 6 كانون الأول، ومكنتهم من اطلاق القذائف كتعبير عن المعارضة الفلسطينية للاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل. منذئذ تجد حماس صعوبة في السيطرة على القطاع واعادة المارد إلى القمقم. أجهزة حماس الامنية اعتقلت نشطاء سلفيين شاركوا في اطلاق النار، لكن يبدو أنه سيمر وقت إلى حين أن تنجح في اعادة الهدوء. الاجواء في القطاع بقيت متلبدة منذ فجرت إسرائيل النفق الهجومي، الذي قتل فيه 12 شخصا من الجهاد الاسلامي وحماس في نهاية تشرين الاول.
رجال الاستخبارات يجدون علاقة مباشرة بين ما يحدث في القطاع واحداث الضفة الغربية. في القدس وفي الوسط العربي في إسرائيل تم الحفاظ على الهدوء بشكل عام، باستثناء المظاهرة العنيفة في شارع وادي عارة يوم السبت الماضي. احتجاج ترامب تم توجيهه من الاعلى نحو الاسفل، سواء السلطة الفلسطينية أو حماس التي دعا رؤساءها لانتفاضة ثالثة شجعت الجمهور في المناطق للخروج في مظاهرات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن الاستجابة كانت محدودة. في تلك الاحداث شاركت آلاف معدودة رغم أن الامر يتعلق بالقدس. في الشارع الفلسطيني لم تتموضع رواية دينية حول الاعلان الأميركي.
في ظل عدم وجود عمل رمزي على الارض مثل "وضع البوابات الالكترونية في الحرم"، في اعقاب قتل الشرطيين في العملية في تموز الماضي، وفي ظل عدم وجود هدف واضح للاحتجاج مثل "تراجع إسرائيل وإزالة اجهزة كشف المعادن" فإن الجمهور لم يحضر. في اجهزة الامن الإسرائيلية ارادوا انتظار احداث نهاية الاسبوع: الذكرى السنوية الثلاثين لتأسيس حماس التي صادفت أمس (الأول) وصلوات الجمعة اليوم (أمس)، اذا لم يكن هناك قتلى آخرون بعد هذه الاحداث فيمكن القول إن احتجاج ترامب انتهى بهذا الشكل أو ذاك.
ولكن ليس كل هذا التحليل المنطقي والمرتب يتوافق بالضرورة مع الواقع. أولا، حجم الاطلاق هو الاوسع الذي حدث في القطاع منذ انتهاء عملية الجرف الصامد في آب 2014، هذا حدث استثنائي جدا في واقع غزة الحالي، حيث يثور سؤال هل لا يوجد هنا اغماض عين مقصود ومستمر من حماس عن نشاطات الخلايا التي تطلق الصواريخ. وثانيا، الشباك أعلن أول أمس أنه اعتقل خلية لحماس في قرية تل في منطقة نابلس التي خططت حسب اقواله لاختطاف جندي أو مستوطن في السامرة في عيد الانوار. حماس تعطي للاختطاف أولوية، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة حسب رأيها لتحرير آلاف الاسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية وتحقيق انجاز كبير كما فعلت في صفقة شليط في 2011. ولكنهم في حماس يعرفون أن إسرائيل تعتبر الاختطاف حدث استراتيجي مثل اعلان الحرب تقريبا، وهي سترد بشدة أيضا في الضفة.
في جهاز الامن يتولد الانطباع أن من يخططون العملية ليسوا من الهواة، لقد كان على رأسهم أحد النشطاء الميدانيين القدامى نسبيا (26 سنة)، وقد حصلوا على مسدس وجندوا الاموال وقاموا بجولات استطلاع في الشوارع كجزء من التحضير للعملية. التوجيهات جاءت من الخارج، من "قيادة الضفة" التابعة لحماس التي يشغلها من القطاع محررو صفقة شليط الخاضعين لقيادة الضفة برئاسة صالح العاروري الذي يقسم الآن وقته بين لبنان وتركيا. إن تقارب الاحداث بين الاستعداد للاختطاف في الضفة والتصاعد الفجائي في اطلاق الصواريخ من القطاع يثير ذكريات ليست لطيفة من صيف 2014، في حينه، في شهر حزيران، اختطفت خلية لحماس من الخليل وقتلت الفتيان الثلاثة الذين سافروا برحلة مجانية قاتلة في غوش عصيون، في الايام التي اعقبت العثور على الجثث في بداية تموز، وعلى خلفية غضب الجمهور الإسرائيلي، زاد التوتر في القطاع حول جهود الجيش الإسرائيلي لاحباط عملية محتملة من قبل حماس عبر نفق في كرم أبو سالم. اسابيع التصعيد ادت في نهاية المطاف إلى البدء بعملية الجرف الصامد.
الظروف في هذه المرة مختلفة. أولا، عملية الاختطاف في الضفة تم إحباطها. ثانيا، حماس قامت بخطوات اولية نحو المصالحة مع السلطة الفلسطينية، التي من شأنها أن تحررها من عبء الادارة المدنية اليومية للقطاع وضخ الأموال الضرورية لغزة من اجل بقائها. ولكن عملية المصالحة تتأرجح ومن الصعب استبعاد امكانية الانزلاق نحو المواجهة، التي يمكن أن تعود وتفاجئ إسرائيل. لا يمكننا تجاهل الضغط السياسي الداخلي في إسرائيل. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو قام بعمليتين عسكريتين في القطاع، وقد قام بذلك فيهما كمن يتخبطه الشيطان. في تشرين الثاني 2012 عشية عملية "عمود السحاب" وقف نتنياهو امام حملة انتخابية للكنيست وتلقى هزة لا تتوقف من العناوين في "يديعوت احرونوت" التي القت عليه مسؤولية وضع سكان غلاف غزة تحت اطلاق صواريخ القسام من القطاع. في 2014 القي عليه ضغط مشابه من اليمين ومن الائتلاف، خاصة بعد العثور على جثث الفتيان.
رئيس الحكومة نفسه اعترف هذه السنة في نقاش في الكنيست حول تقرير مراقب الدولة أنه لم يكن يرغب في الحرب في القطاع. وأنه جر اليها على خلفية العمليات الهجومية لحماس. التقديرات في إسرائيل لصالح رد محدود في هذه المرحلة يوجد عامل آخر لم يذكر – مواجهة مباشرة مع حماس الآن سترسخ في الوعي العالمي مثل "حرب ترامب" وستعتبر نتيجة مباشرة لاعتراف الولايات المتحدة بالقدس. لهذا تفضل إسرائيل ابعاد خطر المواجهة بقدر الإمكان.
ميزان قوى جديد
أحد التغييرات الأساسية التي حدثت منذ 2014 يتعلق بتغييرات القيادة في حماس. في الحرب الاخيرة انقسمت حماس بين الداخل والخارج. خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي للمنظمة وصاحب المكانة الاعلى فيها، استقر في قطر وحث رجاله على مواصلة القتال، في الوقت الذي كان فيه عدد من قيادة غزة يأملون وقف اطلاق النار تحت ضغط القصف الجوي الإسرائيلي. منذ ذلك الحين تم استبدال خالد مشعل باسماعيل هنية الذي يعيش في غزة. وقد جاء بدلا من هنية قائد حماس في القطاع يحيى السنوار، رجل الذراع العسكري في القطاع. ميزان القوى الجديد الداخلي في حماس نقل القوة من الخارج إلى الداخل وأعطى وزن اكبر لخريجي الذراع العسكري. السنوار أيضا هو من محرري صفقة شليط، وهو الاول الذي يوحد بشكل ما بين الذراع العسكري والذراع السياسي.
 بعده احتل أيضا عدد من اصدقائه، قدماء الاسرى، مراكز هامة في التنظيم. هؤلاء هم رجال جيل الوسط في حماس: شباب المجموعة التي التفت حول الشيخ احمد ياسين عند اقامة الحركة في بداية الانتفاضة الاولى، الذين اجتازوا انتفاضتين، التي جاءت من "الضواحي" الفلسطينية، مخيمات اللاجئين في غزة. وهم يتحدثون اللغة العبرية بطلاقة ويعرفون بدرجة معينة المجتمع الإسرائيلي من خلال مكوثهم الطويل في السجون الإسرائيلية. عندما تم انتخاب السنوار لمنصبه في شباط الماضي، زادت في إسرائيل التقارير عن تشدده وتصميمه الايديولوجي. هذا الرجل في نهاية المطاف قضى اكثر من عشرين سنة في السجن بتهمة قتل متعاونين مع إسرائيل. ولكن في الاشهر العشرة التي قضاها في منصبه استطاع تبديد الكثير من التوقعات السابقة. ليس لأنه فجأة تبين أن السنوار مؤيد لإسرائيل (رغم تقليد جديد وناجح في "بلاد رائعة") بل لأن الضائقة الاستراتيجية التي وجدت حماس نفسها فيها أملت الانعطافة – وتبين أن السنوار مؤهل لاتخاذ قرارات حاسمة اكثر من اسلافه وشركائه في القيادة. السنوار هو الذي قاد حماس في اتفاق المصالحة مع السلطة الفلسطينية بوساطة مصر.
حسب تقدير الاجهزة الامنية الإسرائيلية فإن الهدف الاهم لحماس بقي الحفاظ على حكمها في غزة، وبعد ذلك مواصلة بناء قوتها العسكرية، لكن الحفاظ عليها اصبحت اصعب بسبب العزلة السياسية التي وجدت حماس نفسها فيها (الازمة مع مصر، نقص الدعم المالي من دول الخليج)، ونقص الاموال الشديد الذي حدث في اعقاب ذلك. من هنا الاستعداد للتنازل عن جزء من صلاحيات الحكومة في غزة لصالح السلطة الفلسطينية. ولكن المصالحة ما زالت تكتنفها العقبات والتحفظات الكثيرة.
بالاساس من جانب رئيس السلطة محمود عباس الذي جر إليها وهو غير راض. عباس الذي يخشى حقا من أن تواصل حماس السيطرة على غزة بقوة السلاح، شبيها بالنموذج الذي اتبعه حزب الله في لبنان، لم يرسل أي شيكل لتحسين تزويد الكهرباء في غزة أو لدفع رواتب موظفي الدولة هناك. تصريح ترامب وفر ذريعة لإظهار موقف فلسطيني موحد، لكن اذا تم الاعلان عن فشل المصالحة فستزول عقبة اساسية من امام مواجهة عسكرية اخرى مع إسرائيل.

التعليق