البينات التربوية: المادة الدراسية بين الهدف الخاص والهدف العام (6 - 6)

تم نشره في السبت 16 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • الخبير التربوي الدكتور ذوقان عبيدات -(أرشيفية- تصوير: ساهر قدارة)

د. ذوقان عبيدات*

(1)
بين الهدف الخاص والهدف العام
سبق القول إن عدد المواد الدراسية يفوق الألفي مادة. ففي اللغة وحدها عشرات المواد، وكذلك في الفيزياء والرياضيات والتاريخ.. الخ، فكيف يختار واضع المنهج من هذه المواد؟ وماذا يحدث لو اختار مواد وحذف اخرى؟ وهل المواد التي يختارها صاحب القرار الأردني هي نفس المواد التي يختارها أصحاب القرار في دول أخرى؟ وحتى في البلاد المشابهة لنا، يدرس بعض الطلاب في بلدان ما فلسفة ومنطقا وعلم نفس ومجتمعا ونقدا تاريخيا وعلم جمال ولا ندرس نحن مثل هذه المواد؟
فما معايير اختيار المواد الدراسية؟
يتفق المختصون في المناهج على أن المواد الدراسية تختار حسب المعايير الآتية: - معيار المنفعة أو الفائدة العملية، بحيث تختار مادة ما على أساس تطبيقات حياتية لها. - معيار الحداثة، بحيث تختار مواد ذات صلة بالجدة والتغير بما يقدم للطلاب المعلومات الحديثة في الموضوعات، فمثلا ماذا يضير طلابنا لو درسوا المواد الآتية: مشكلات البيئة، التنمية المستدامة، البحث العلمي التخطيط، اختيار الملابس، الغذاء؟ وماذا لو حذفنا بعض المواد الحالية من منهاجنا؟ هل سيؤثر ذلك على أهداف التربية الكبرى؟ فالمواد الحديثة أكثر أهمية من تاريخ المعرفة أو تطورها.
- معيار حاجات المجتمع، بحيث تختار موضوعات أو مواد لها صلة بحاجات المجتمع مثل: تجديد التراث الثقافي، التعصب والتطرف، الاديان المختلفة، حقوق الإنسان... الخ. هل سيؤثر ذلك سلبا أم ايجابا؟
- معيار حاجات الطالب، بحيث تختار مواد دراسية مرتبطة بحياة الطلاب العملية مثل: المهنة والسلوك، الأخلاق، الجماعات الانسانية، إدارة الوقت، إدارة المشاريع، تخطيط المستقبل، أو ليست هذه مواد يمكن ان تدخل المنهج؟

(2)
ما الذي يحدث لو تغيرت كل المواد؟
من الممكن القول، لو غيرنا عددا من المواد وأضفنا مواد جديدة ولو غيرنا محتويات بعض الكتب، ما الذي سيتغير؟ وما الذي سيخسره المجتمع أو الطالب.؟
ماذا لو حذفنا بعض بحور الشعر؟ وبعض أنماط البلاغة، بل ماذا لو غيرنا كل النصوص في كتب اللغة العربية، أو كل المسائل ومحتوياتها في كتب الرياضيات؟ ماذا لو علمنا مبادئ الجغرافيا بدلا من تضاريس ما؟
والسؤال الأكبر: ماذا لو ذهب طالب أردني إلى فرنسا ودرس ما يدرسه الفرنسيون؟ هل سيخسر كثيرا لعدم قراءته لمواد أو كتب أردنية؟ والعكس أيضا ماذا لو جاء طالب فرنسي ودرس عندنا هل سينشأ مواطنا اردنيا متحللا من القيم الفرنسية؟ اذن يمكن أن يدرس الطالب الأردني أي مواد دراسية دون أن نضطر لتغيير فلسفة التربية!
 بل ان مواد جديدة مثل: التواصل، التفكير العلمي، التفكير الديني، حل النزاعات، انتاج الفكر الابداعي، تخطيط المستقبل، الاعلام، الشعر، هذه المواد قطعا هي أكثر صلة بأهداف التربية الأردنية وفلسفتها، فالمواد ليست أهدافا بذاتها، بل وسائل لتحقيق الأهداف.
نحن نعلّم الرياضيات، ليتعلم الطلاب القياس والدقة والتقدير والملاحظة والتوقع والشراكة والتقييم! ونعلم اللغة العربية ليتعلم الطلاب نفس تلك الأهداف! وكذلك التربية الدينية والتاريخ وغيرها! فلو غيرنا معظم المواد، أو استبدلنا معظم محتوياتها، لما تضعضعت اهداف التربية العامة. وهي بالمناسبة: بناء شخصية متوازنة: اجتماعيا وانفعاليا وعقليا وجسميا!
 فأهداف التربية في العالم كله حددتها اليونسكو بما يأتي: تعلم لتعرف. تعلم لتكون. تعلم لتعمل. تعلم لتعيش في عالم متغير.
وهذه أهداف تم توزيعها على العالم، واختار كل مجتمع مواد دراسية اعتقد أنها تحقق الأهداف. وهي بالتأكيد مواد دراسية تختلف في كل بلد. فالمنهج ليس مجموعة مواد دراسية، انما مجموعة متكاملة من المعارف والمهارات والقيم التي قد تنتمي الى مواد مختلفة.

(3)
المواد: بين القيمة الذاتية والهدف العام
لا ينكر أحد القيمة الذاتية للتربية الدينية أو الرياضيات أو اللغة، لكن هذه القيمة هي وسائل دائما وليست غايات أو اهدافا عامة. فالطالب يتقن مهارات ذات صلة بالعبادات والفقه، ولكن قيمة ذلك فيما تقود إليه من طالب مؤمن ذكي عاطفي، متواصل إجتماعيا، صحيح عقليا، سليم جسميا. فالهدف من التعلم بناء الشخصية.
ماذا يحدث لو عرف المعلمون ذلك؟ وماذا علينا أن نفعل كي نجعلهم يعون ذلك؟ إن كل ما يعرفه مؤلف الكتاب هو المادة التي سيضعها في الكتاب! وكل ما يعرفه المعلم هو شرح هذه المادة. وكل ما يطلب من الطلاب هو حفظ هذه المادة. فالمؤلفون في الأردن يتم اختيارهم على أسس ليس بينها الوعي التربوي بفلسفة التربية وأهدافها، والمعلمون - وهذه حقيقة- لم يسمعوا بالمنهج المدرسي، ولا بفلسفة التربية! ولا يربط أحد بين المادة الدراسية وأهدافها! لا يدرك معلم الرياضيات ان من أهدافه النمو العاطفي والجسمي والاجتماعي بل قد يعمل مناقضا لها.
المطلوب من وزارة التربية، مؤلفون تربيون ومعلمون واعون وتربويون يراعون توفير بيئة تربوية، ويربطون مواقفهم الصفية بشخصيات الطلاب. ويمتحنون طلابهم بأهداف المادة لا مجرد محتواها!

* مدير مركز الاستشارات والبحوث التربوية/ مجتمع النهضة التربوية.

التعليق