صداقات تزول مع مرور السنوات وتفقد قيمتها

تم نشره في الاثنين 18 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • الحياة لا تقف عند انسحاب بعض الأشخاص من حياتنا-(أرشيفية)

ربى الرياحي

لماذا تفقد بعض الصداقات قيمتها بمرور السنوات؟ وما الذي يبرر غياب أشخاص كانوا بالنسبة لنا السند والملاذ؟.
تساؤلات كثيرة تستوقفنا تنتظر منا أن نفكر جيدا في شكل العلاقات التي لم نخترها ربما، لكنها أثرت فينا بطريقة أو بأخرى، وتركت خلفها ذكريات ستبقى حاضرة تعصف بأرواحنا الوفية الباحثة عن لحظات تؤجج في داخلها مشاعر الحنين والاشتياق حتى وإن قرر أصحابها الانسحاب والابتعاد، ممتثلين لحكم تلك السنوات التي مرت عليهم بدون أن تبالي بكل القواسم المشتركة بيننا وبينهم.
وجوه وابتسامات وأسرار وأمكنة كان يستوطنها الحب، كلها تفاصيل أصبحت جزءا من الماضي، رحلت لأسباب نجهل بعضها والبعض الآخر يخضع لحقيقة التغيير سواء كان تغييرا في المشاعر أو تغييرا في الأفكار والتوجهات، بالإضافة للمسافة التي تعد بالنسبة لكثيرين سببا قويا يبررون به غيابهم وتخليهم عنا بشكل مفاجئ بدون أي مقدمات.
غربة قد نعيشها جميعا، لكون الحياة هي الوحيدة التي تملك كل الخيارات، وتنفرد أيضا بفكرة تفريقنا عمن نحب، عن أولئك الذين يشبهوننا في القدرة على العطاء غير المشروط، كما أنها هي من تجمعنا بأشخاص لا نعرفهم ولا تربطنا بهم أيضا أي مشاعر، ومع ذلك نجدهم يدخلون إلى عالمنا رغما عنا، حتى أنهم قد يعرفون عنا أبسط الأشياء، لكن ذلك لا يعني أبدا أننا قادرون على أن نمنحهم الحب والاهتمام فقط لمجرد أنهم متواجدون في حياتنا باستمرار.
نحن وبما نحمله من مقاييس لشكل الصداقات التي نريدها والتي تنسجم حتما مع أحاسيسنا، نحتاج لأن نفهم أولا كم يلزمنا من الوقت لنقتنع أن الحياة لا تقف عند انسحاب بعض الأشخاص. أولئك الذين كنا نعتقد أن ابتعادهم عنا أمر مستحيل لا نجرؤ على التفكير فيه ربما لأننا نشعر معهم بالأمان ونرى أن بقاءهم إلى جانبنا حقيقة لا تحتاج إلى ضمانات ولا تقبل حتى المناقشة.
لكن الغريب أن القدر أحيانا يرتب لنا لقاء مع أحدهم رغم مرور كل تلك السنوات على غيابه يعيد إلى ذاكرتنا لحظات جميلة جمعتنا به وصور تشكلت ملامحها الدافئة بالحب.
نبدأ حديثنا بتذكر تلك الأيام وباسترجاع أدق التفاصيل والمواقف التي حفرت هناك على جدران الماضي، حكايات من الصعب أن تنسى، يتخللها الحلم وشيء من الفرح المساند حتما لكل الأماني المدرجة على قائمة الانتظار.
وما إن ننتهي حتى يسود بيننا صمت مخيف ينذر بعمق الفجوة التي أصبحت اليوم موجودة بيننا. نغادر وكلنا أمل أن نتواصل ثانيةً حتى وإن كنا نعرف ضمنيا أن ذلك لن يتكرر أبدا وسيبقى لقاؤنا هذا عابرا يحفزنا على تأمل بعض الأسئلة التي نتعمد أن نطرحها على ذواتنا هل نحن تغيرنا حقا؟ وإلى أي درجة أصبحنا نعيش غربة المشاعر؟ لتأتي الإجابة بعد ذلك محاكية للمنطق الذي يقيدنا ويفرض علينا أن نستسلم ونفهم بدون كثير من الكلام أنه لم يعد هناك نقاط التقاء نشترك فيها معهم، فكل شيء قد تغير؛ ثقافتنا ظروفنا وحتى لغة الحوار التي كنا نستخدمها والتي هي في الغالب لغة عميقة فيها من المشاعر والأحاسيس ما يكفينا لنتواءم روحيا.
أصدقاؤنا الحقيقيون هم الذين يتألمون لألمنا ويفرحون لفرحنا، نراهم يفتخرون بنجاحنا أكثر منا، نلمح في أعينهم الصادقة المحبة نظرة وفاء وامتنان لعمر بأكمله. أمامهم فقط، يمكننا أن نثرثر بكل ما في داخلنا بدون أن نخاف أو نقلق، هذا النوع من الصداقات لا يزول أبدا مهما مرت عليه السنوات وتبدلت الأحداث يظل صامدا في وجه المتغيرات.

التعليق