خطة بوتين لسورية: كيف تريد روسيا أن تنهي الحرب هناك؟

تم نشره في الاثنين 18 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً
  • الرئيس السوري بشار الأسد ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في قاعدة حميميم العسكرية الروسية في سورية مؤخراً - (أرشيفية)

ديمتري ترينين – (فورين أفيرز) 13/12/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بعد ما يقرب من سبع سنوات، أصبحت الحرب الأهلية السورية في طريقها إلى الانتهاء أخيراً، وتتطلع القوى المختلفة في الشرق الأوسط إلى ما سيأتي بعد ذلك. وفي 22 تشرين الثاني (نوفمبر)، اجتمع زعماء إيران وروسيا وتركيا في منتجع مدينة سوتشي الروسية لمناقشة مستقبل سورية. وفي 28 تشرين الثاني (نوفمبر)، بدأت الجولة الأخيرة من المحادثات التي تجري برعاية الأمم المتحدة بين ممثلي الرئيس السوري بشار الأسد والمعارضة في جنيف. ومن المقرر إجراء جولة أخرى من المحادثات فى سوتشي فى أوائل العام المقبل.
من خلال التدخل العسكري والمناورات الدبلوماسية، حوَّل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بلده إلى واحد من اللاعبين الرئيسيين في الصراع السوري. وكانت روسيا قد ذهبت إلى سورية في أيلول (سبتمبر) من العام 2015 لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وإجهاض محاولة تغيير النظام هناك، التي بذلتها قوى خارجية مثل الولايات المتحدة وبعض الدول العربية. وبعد أكثر من عامين، أثمرت مشاركة موسكو العسكرية؛ فقد نجا نظام الأسد وهُزِم تنظيم "داعش". ولم تنته الحرب في سورية بعد، لكن التركيز ينصب بشكل متزايد على التوصل إلى تسوية سياسية مستقبلية. ولن تكون روسيا قادرة على فرض هذه التسوية وحدها -أو حتى مع حليفتيها؛ إيران وتركيا. لكنها ستكون مشارِكة في السلام السوري بقدر ما كانت مشاركة في الحرب السورية.
شبكة معقدة
من بين القضايا المطروحة حالياً في سورية، يبرز مصير الأسد بشكل خاص. وقد نظرت إليه روسيا خلال الحرب كشخص يجب إنقاذه من أجل منع الفوضى. والآن، أصبح يبدو ويتصرف كمنتصر، وربما يفكر بأنه لم يعد يحتاج إلى الروس بقدر ما كان يحتاج إليهم في السابق. وينظر الأسد بازدراء إلى المعارضة، ويريد أن يعود حزبه، البعث، مهيمناً مرة أخرى. لكن الكرملين يدرك أن استعادة سيطرة الأسد على كل سورية هي أمر مستحيل، بل وغير مرغوب فيه، بما أن مجموعات أخرى، من المعارضة السنية إلى الأكراد، ترفض رفضاً قاطعاً هذه النتيجة. وقد يبقى الأسد في السلطة في دمشق، لكن المشهد السياسي للبلاد تغير بشكل لا رجعة فيه. ومع ذلك، يتعين على موسكو أن تتعامل مع الأسد الحرون بينما تحسب حساباً للتأثير الذي تمارسه حليفتها الأخرى، طهران.
حتى من دون وجود فيدرالية رسمية، فإن سورية مقسمة فعلياً إلى جيوب عدة تسيطر عليها قوى مختلفة: حكومة الأسد؛ المجموعات المعادية للأسد؛ الميليشيات الموالية لتركيا والموالية لإيران؛ والأكراد. وقد عملت روسيا مع العديد من اللاعبين على الأرض في سورية وفي كل المنطقة على حد سواء، لتأسيس العديد من مناطق خفض التصعيد، حيث توقف القتال وسُمح للمعارضة بأن تحتفظ بالسيطرة. ومن خلال جهودها في أستانا وجنيف وسوتشي، سعت موسكو إلى بناء أرضية مشتركة بين جميع الفصائل المتصارعة في البلاد، ممهدة الطريق أمام شكل ما من أشكال الحكومة الائتلافية. وما يزال الأسد متردداً في الموافقة على تقاسم حقيقي للسلطة، ولدى إيران تحفظاتها الخاصة بها أيضاً. ولذلك، سوف تضطر موسكو إلى الكثير من محاولات الإقناع -والضغط أحياناً- لتحقيق النتائج التي تفضلها. ومع ذلك، يعتقد الروس أن ترتيباً مشتركاً لتقاسم السلطة، والذي يكون قريباً من الترتيب في لبنان، يمكن أن يكون وصفة للاستقرار.
تصر روسيا على وحدة سورية الإقليمية. وتتخذ موسكو موقفاً مماثلاً تجاه العراق؛ حيث رفضت مؤخراً دعم جهود الاستقلال لكردستان العراق. ومع ذلك، تفضل روسيا في سورية -كما في العراق- حُكماً ذاتياً حقيقياً للأكراد. وكانت لموسكو على مدى عقود عديدة علاقات طويلة الأمد مع الجماعات الكردية في الشرق الأوسط، وساعدتهم في بعض الأحيان سياسياً وعسكرياً. وقد اعتادت روسيا على موازنة علاقاتها مع الأكراد مع علاقاتها بجيرانهم العرب والأتراك والإيرانيين، كما أن روسيا موطن لشتات كردي صغير يقوم بتسهيل الاتصالات الروسية الكردية وينشط على مستوى مجموعات الضغط من أجل تعزيز المصالح الكردية. ومع ذلك، ستكمن المصلحة القومية الروسية في نهاية المطاف في الحفاظ على الاتصالات مع جميع اللاعبين ذوي الصلة من الكاسبين في الصراع.
بطبيعة الحال، ليست روسيا هي القوة الخارجية الوحيدة في سورية. وحتى مع دعم موسكو لنظام الأسد بقوتها الجوية، فقد كانت إيران وميليشياتها المتحالفة تقاتل معه على الأرض. وبعد الحرب، ستريد طهران مأسسة وجودها على أرض الواقع في سورية، بغية التأثير على مستقبل البلد والمحافظة على صلة فعلية مع حليفها الإقليمي الرئيسي، حزب الله.
تدرك روسيا مصالح إيران من دون أن تتقاسمها معها، ولكنها تفهم أيضاً مصالح إسرائيل، وهي تسعى إلى تحقيق توازن بين الطرفين. وتتعاطف موسكو مع المخاوف الأمنية الإسرائيلية حول وجود جماعات شيعية مسلحة قريبة جداً من حدودها، كما تأمل في استخدام الشتات الروسي في إسرائيل لتحقيق فوائد اقتصادية ومالية وتكنولوجية. لكنها لا تستطيع أن تتجاهل إيران باعتبارها قوة إقليمية وجارة تقدم لها أيضاً فرصاً في عدد من المجالات، من مبيعات الأسلحة إلى الطاقة النووية. ولذلك، سوف تسعى روسيا في سورية للتوصل إلى حل وسط بين إيران وإسرائيل على أساس المصالح المشروعة لكل منهما. وقد يبقى الحلفاء الشيعة الإيرانيون في سورية، وإنما سيترتب عليهم أن يبقوا على مسافة بعيدة عن إسرائيل.
يتركز تفاعل روسيا مع الولايات المتحدة في سورية إلى حد كبير على تأمين الفصل العسكري، الذي يهدف إلى منع وقوع الحوادث وتقليل احتمالات التصادم بين القوات المسلحة للبلدين. وقد تعاونت موسكو وواشنطن أيضاً على إنشاء مناطق تخفيف التصعيد، ولكن تنسيق الكرملين الدبلوماسي مع الولايات المتحدة يظل أقل كثافة بكثير في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب مما كان عليه أثناء ولاية إدارة سلفه، باراك أوباما. وفي العامين 2015 و2016، كان الروس يدرسون فكرة تطوير وتطبيق حل دبلوماسي مشترك مع الأميركيين. أما اليوم، وبفضل تناقص الاهتمام وانعدام المشاركة من واشنطن، فقد تعاونت موسكو مع الأتراك والإيرانيين بدلاً منها.
طريق طويل في الأمام
تدرك روسيا أنه مع خفوت طبول الحرب وظهور إعادة الإعمار في الأفق، فإن آخرين سيشرعون في التقدم إلى الأمام في سورية، بما في ذلك الصين وأوروبا واليابان. وسوف تسعى موسكو إلى الشراكة معهم لكي تؤمن لنفسها جزءاً من أعمال إعادة الاعمار المربحة التى سيتم تمويلها من المانحين الدوليين. ويتمثل الأصل الروسي الرئيسي في سورية في نفوذ موسكو في دمشق؛ حيث ما تزال هي الضامن الأول لأمن نظام الأسد. لكن هذا النفوذ قد يزول بمرور الوقت، حين تصبح التهديدات المباشرة للأسد أقل أهمية. أما في الوقت الراهن، ومع احتمال أن تظل الحالة في سورية محفوفة بالمخاطر لسنوات عديدة، فمن المتوقع أن تكون روسيا لاعباً رئيسياً في البلد في المستقبل المنظور.
بالإضافة إلى ذلك، تريد موسكو تأمين مصالحها الأساسية في سورية، مهما يكن شكل توازن السلطة السياسية الجديد في البلاد. ومن بين هذه المصالح تأمين وجود جوي وبحري دائم لها في البلد. وبموجب اتفاقيات الإيجار الموقعة مع دمشق في العامين 2015 و2016، سوف تبقى كل من قاعدة حميميم الجوية ومرفق طرطوس البحري الذي تجري ترقيته إلى قاعدة بحرية دائمة، قائمين لعقود بعد انتهاء الحرب. وستواصل القوات المسلحة السورية الاعتماد على الأسلحة والمعدات الروسية، وسيواصل الاختصاصيون العسكريون الروس تقديم المشورة والتدريب لزملائهم السوريين. ومن شأن ذلك أن يكرس دور سورية باعتبارها موطئ القدم الجيوسياسي والعسكري الرئيسي لروسيا في الشرق الأوسط.
لن تكون مهمة إحلال السلام في سورية أقل صعوبة من كسب الحرب هناك. وتواجه روسيا مهمة شاقة أخرى، حين تكون أصولها هناك أقل ضرورة، وحيث يكون لمنافسيها قدر أكبر من الموارد، وحين يسعى حلفاؤها الظرفيون في دمشق وطهران وأنقرة إلى تعزيز أجنداتهم الخاصة التي تتعارض أحياناً مع أجندة موسكو. وسوف يكون النجاح على الجبهة الدبلوماسية أكثر صعوبة -حتى من الانتصار في ساحة المعركة.

*نشر هذا التحليل تحت عنوان: Putin's Plan for Syria: How Russia Wants to End the War

التعليق