جميل النمري

المملكة السعودية الثانية

تم نشره في الاثنين 18 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:08 صباحاً

في المشهد السعودي تخطف الأحداث السياسية الأنظار فتختصر نصيب التغييرات الأخرى من الاهتمام وتشوش على معناها. ومن ينظرون بشك وريبة إلى خطوات محمد بن سلمان السياسية والاقتصادية العاصفة لا يرون في التوجهات الثقافية الاجتماعية الحداثية سوى غطاء للتمويه أو لحرف الأنظار وتمرير خطط سياسية مشبوهة، خصوصا وأن ولي العهد الذي حسم السلطة بعنفوان غير مألوف هو نفسه كان وراء قرار التدخل العسكري في اليمن وقرارات أخرى تمثل تحديا وتصعيدا في مواجهة المحور الإيراني.
المواقف والقرارات السياسية في المشهد السعودي لا تترك فرصة للتوقف مليا أمام القرارات الثقافية والاجتماعية وآخرها السماح بالسينما. وهو قرار سيعني الكثير للنخبة المثقفة المتنورة بوجود أداة جديدة للتأثير على المناخ العام. ويجب التنبيه أن الجمهور العريض من الشباب لم يكن بالأصل بحاجة لدور السينما لحضور الأفلام، فالإنترنت موجود لكنه وسيلة تفيض بالرداءة على المواقع وعبر وسائل التواصل يفسد الذوق العام ويشوه الوعي بدل أن يتقدم به، بينما يمكن الآن أن يشتغل محبو الفن السابع والمعنيون بهذا القطاع على تقديم الشيء الرفيع الذي يجود به الإنتاج الفني بما في ذلك إنتاج سينما سعودية تستثمر في طاقات محلية موجودة أو ستظهر بكل تأكيد. وليس هناك محرمات لم تكن بمتناول السعوديين لكن التحريم كان له أثر بشع على نمط التعامل والاستهلاك لهذه المحرمات ومن ذلك الكحول مثلا.
أنصار نظرية المؤامرة لن يتركوا شيئا إلا وينظموه في عقد مصمم يحمل في كل تفاصيله بصمة السيد الأميركي، والحقيقة أن ما حدث هو ثمرة تداعيات داخلية من صميم الواقع السعودي. فلم يكن معقولا لنظام تداول السلطة الغامض أن يستمر أفقيا بين جيل لم يعد فيه فرد دون العقد السابع من العمر. وقد قلنا إن الخطوة اللاحقة هي "دسترة" نظام الحكم فليس معقولا استمرار حكم بلد بهذا الحجم وفي هذا العصر دون دستور مكتوب تستند إليه المؤسسات السياسية والقوانين. ونحن نقلق بالطبع على بعض جوانب السياسية السعودية ولا ندري ماذا تضمر إلى الأمام قليلا في الشأن الإقليمي خصوصا مع التضارب الشديد الآن بين مصالحنا القومية والوطنية ونهج الرئيس ترامب الذي رأت فيه السعودية حليفا قويا وموثوقا بعد أن عانت من إدارة أوباما التي طالما أغاظت السعودية وأخافتها بنهجها المتهاون مع إيران وحلفائها.
قد تحتاج السياسة السعودية لبعض الوقت لتستقر وتصل إلى استخلاصات ناضجة ومقاربة أكثر وثوقا لمختلف الملفات الساخنة في المحيط العربي والإقليمي بما في ذلك الشأن الفلسطيني الذي يدور لغط كثير وكبير حول الدور السعودي فيه وفي مشروع صفقة القرن، الصفقة التي سقطت قبل عرضها علينا هذا بافتراض أنها كانت ستعرض فعلا في أي وقت. 
التغيير في السلطة هو في الظاهر وليد صراع بين أبناء العمومة وفي الجوهر نتيجة حتمية لواقع يستحيل استمرار جموده على القديم ويتبع ذلك ويترافق معه بالضرورة تقليم أضافر أدوات السلطة القديمة وفي مقدمتها السلطة الدينية السلفية الوهابية ويتبعها بالضرورة إلغاء متواتر لكل الظواهر والمظاهر التي ارتبطت بها ونحن ما نزال في بداية الطريق.
مملكة المحرمات تتغير ومملكة ثانية تتشكل ولن نتخيل غدا أن بعض الأمور كانت قائمة ومفروضة وأن بلدا كان يحرم حتى العام السابع عشر من القرن الحادي والعشرين قيادة النساء للسيارات أو يمنع السينما.

التعليق