هل يعتمد العالم العربي سياسة الراتب الموحّد؟

تم نشره في الثلاثاء 19 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:00 صباحاً

فريق المحتوى بمبادرة حوار الشرق الأوسط

قد تطرأ تغييرات كبيرة على سياسات أجور ورواتب العاملين في المستقبل! ولعل السبب في ذلك هو التحوّل الجذري في طريقة أداء أدورانا في مكان العمل، وليس أننا على أعتاب التعامل بعملة رقمية مشفرة مثل البيتكوين (بالرغم من إمكانية حدوث ذلك أيضًا في نهاية المطاف).
ففي المستقبل، قد تقوم الآلات بإنجاز كافة الأعمال البدنية التي نعتبرها أحيانًا شاقة أو مملة. وفي هذا المستقبل أيضًا، قد تزودنا تكنولوجيا المعلومات بخدمات الذكاء الاصطناعي التي ستؤدي الكثير من المهام التي عادة ما يتحمل البشر أعباءها مثل: المعرفة الفنية والخبرة العملية واتخاذ القرارات.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الدور الذي سيتقلده الإنسان في مكان العمل مستقبلًا؟ وهل نتوقع الحصول على دخل أساسي غير مشروط في هيئة راتب موحّد إذا ما تغيّر عالم الأعمال بما يسمح بذلك؟
واقع مرير خيالي
قد يكون طرح مثل هذه الاقتراحات اليوم ضربًا من ضروب الخيال بعد مرور حوالي العقدين على تمام الألفية السابقة؛ ولكن لا يمكننا إنكار تأثير التكنولوجيا ودورها الآن في المساعدة على بناء مدن ذكية حيث يمكن أن تتحقق تلك الأفكار وتتحول من خيال إلى واقع ملموس. ومن المستبعد أن نعرف الإجابة عن هذه الأسئلة خلال حياتنا، ولكن في منطقة تتسم بتنوّع هائل كالشرق الأوسط حيث تعيش المدن الثرية جنبًا إلى جنب مع المجتمعات الريفية المتواضعة، لنا أن نطرح تساؤلًا وجيهًا عن إن كان الحديث عن الدخل الأساسي الموحّد (UBI) أمرًا واردًا الآن ولا سيّما في ظل هذا الاختلال الجسيم في التوازن النقدي!
كما أن اقتراحات مراكز الأبحاث والدراسات بما يسمى أيضًا "دخل المواطنين" هي الأخرى اقتراحات ثورية؛ فموجبها سيحصل كل شخص على الراتب نفسه بصرف النظر عن الدور الذي يتقلده ويقوم به في العمل، بل وسيحصل كل شخص على الراتب الثابت نفسه بصرف النظر عن إن كان يتقلد عملًا مربحًا أم عاطلًا عن العمل. وفي إطار هذه النظرية، سيتم التعامل مع تأمين السكن بشكل منفصل وستنتهي مشكلة الفقر للأبد. يذهب الكثيرون إلى أن الابتكار والعمل الجاد يستحقان مكافآت إضافية سواءٌ على الصعيد المالي أم المركز الاجتماعي، ولكن زخم التكنولوجيا الذي بات يقودنا نحو مستقبل الذكاء الاصطناعي المؤتمت يجبرنا على التفكير في هذا السيناريو أو على الأقل جزء منه.
هل نحن بانتظار تغيير شامل في الوظائف والتعيين؟
هل يمكن أن يتحقق أحد عناصر هذا المستقبل ويصبح حقيقة؟ وهل يمكن أن تكون منطقة الشرق الأوسط على أعتاب موجة ثورية من التغيير في مجال الوظائف والتعيين؟ سبق وأن تعرّضت الدول العربية الأغنى للنقد لأنها تبتكر مناصب مريحة وغير مؤثرة في القطاع العام بحيث يشغلها في أغلب الأحيان موظفون ذكور نادرًا ما توكل إليهم أية أعمال شاقة. وقد بدأت هذه المناصب المدلّلة التي يُطلق عليها في بعض الأحيان "وظائف الأولاد" تتلاشى بسبب التكنولوجيا والتوجهات الأوسع نطاقًا نحو التحديث الثقافي.
عندما تجتمع تكنولوجيا المعلومات مع الثورة الثقافية الجذرية، لن تبقَى هنالك وظائف مدى الحياة وستتهيأ الأوضاع لنظام اقتصادي جديد. وبالرغم من أن الوقت مبكر لهذا الاقتصاد الجديد كي يبشّر بسياسة الراتب الموحّد في الدول العربية؛ إلا أنه يجبرنا على التشكيك في أثر العولمة على منطقتنا هنا في الشرق الأوسط. من الطبيعي جدًا أن تفكر الشعوب المنغلقة عن غيرها والتي تتمتع بثراء نسبي (مثل النرويج والسويد على سبيل المثال) في تطبيق نظام الراتب الموحّد، ولكن ماذا عن دول أخرى مثل مصر أو المغرب (وربما الأردن بدرجة أقل) والتي تعتمد قوة اقتصادها بكثافة على ركائز كالزراعة والسياحة؟ هل يمكن لهذه الدول تحمل تبعات هذا النظام والنجاح في تطبيقه؟ وللمرء أن يقول إن الأمر سيكون في غاية الصعوبة لهذه الدول!
تحوّلات جذرية محل خلاف
يقول السيد توم تشيزرايت، عالم المستقبليات التطبيقي والمستشار التكنولوجي: "يكمن التحدي بشأن طرح نظام الدخل الموحّد بمنطقة الشرق الأوسط في إنجاح هذه التجربة في ظل الأنظمة الاقتصادية الحالية. من الصعب أن نتخيّل صنّاع السياسات وهم يقومون بالتحوّلات الجذرية المطلوبة ويعممونها على البلد بأسره. إن مستويات الدعم الحالية على الصعيد الدولي وداخل العالم العربي محل خلاف على أقل تقدير".
ويؤكد تشيزرايت على أن الوفورات المحتمل تحقيقها من تعويض تكاليف إدارة أنظمة الرعاية الاجتماعية القائمة حاليًا لا تشكل سوى جزء بسيط من التكلفة التي ستتكبدها سياسة الراتب الأساسي. كما يضيف أنه حتى لو نجحت إحدى الدول العربية في تحقيق التوازن بين التكاليف والمنافع؛ فإن هذا لن يلبي الاحتياجات المتباينة بشكل كبير للمجموعات المتنوعة المستهدفة حاليًا من أنظمة اجتماعية واقتصادية أكثر تعقيدًا. ثم يواصل حديثه قائلًا: "في مرحلة ما، علينا التصدي لهذه التحديات ومواجهتها. ومع ارتفاع معدلات البطالة التكنولوجية، لن يكون النظام المعتمد على العمالة الكثيفة أمرًا منطقيًا. وفجأة، سيصبح الدخل الموحّد الحل الأقل استنكارًا لأنه سيحافظ على قاسم كبير من نظامنا الحالي عن طريق وضع المال في جيوب المستهلكين".
هناك عوائق ضخمة أمام تطبيق نظام الدخل الموحّد في الشرق الأوسط، وعلى رأسها أن الدخل الفعلي سيكون أقل كثيرًا مما يربحه العديد من الأشخاص اليوم خصوصًا في دول الخليج. ولكن هناك بعض الحقائق التي يجب علينا إدراكها؛ فمعدل استبدال الروبوتات بالعاملين من البشر يرتفع بوتيرة سريعة في جميع أنحاء العالم. وعندما يعتمد الاقتصاد بكثافة على التصنيع والشحن والنقل والزراعة وحتى ما يُطلق عليه "الصناعات الاستخراجية" كالتعدين والمحاجر، فإن فرصة استخدام الروبوت مكان الإنسان تتنامى بشكل ملحوظ. وفي حال لم تعلم بذلك، فإن الشرق الأوسط معروف بالصناعات الاستخراجية المعتمدة على السوائل، والنفط هو أحد الأمثلة على تأثير الذكاء الاصطناعي والروبوت في المستقبل.
حقائق منطقية
في الواقع إننا لا نزال في مرحلة مناقشة هذا الموضوع وهو ما يجعل بعض العناصر المقترحة لتطبيق هذا النظام تبدو ثورية جدًا على الوقع القائم. اقترح واضعو النظريات إمكانية دفع الدخل الأساسي الموحّد على أساس شهري كالرواتب والأجور التقليدية. والبعض الآخر اقترح سداده على أساس سنوي. بينما يقترح آخرون دفعه على شكل مبلغ إجمالي فور بلوغ الفرد 18 عامًا. فكيف إذن يمكن للدول العربية أن تبدأ حتى بمحاولة دفع الأجور الموحّدة؟ هل ستكون على شكل ضرائب أو صناديق ثروات سيادية أو غيرها من الوسائل؟ كان البعض قد اقترح أسعار الفائدة السلبية كأحد طرق تطبيق النظام، ولكن قد لا ينجح هذا الأمر في الشرق الأوسط بسبب الأنظمة المصرفية والممارسات المالية الإسلامية.
إن الجانب الإيجابي في نظام الدخل الأساسي الموحّد هو أنه يكفل الحرية الشخصية للتعبير عن القدرات الإبداعية لدى الفرد وإلهامه للابتكار، وهو ما نفتقر إليه اليوم لأننا جميعًا منهمكون في تأمين متطلبات حياتنا. أما الجانب السلبي فهو أنه قد يؤدي إلى عكس ذلك ويفقد الفرد الحماس والرغبة في الابتكار لأنه يحصل على الدخل الذي يحتاج إليه بغض النظر عن العمل الذي يؤديه. وقد تطرّق صندوق النقد الدولي في تقرير الراصد المالي الذي أصدره لعام 2017 إلى موضوع الدخل الموحّد وأفاد بأن هذا النظام سيقلل من التفاوت في الدخل ويحمي الناس المتأثرين بالتغيير التكنولوجي والعولمة. قد لا نرى هذا النظام قيد التنفيذ بين ليلة وضحاها، لكن هناك توجهات محددة تجدر ملاحظتها ومناقشات حافلة حول هذا الشأن. أنت لا تزال متقلدًا عملك اليوم، ولكن الأمور قد تتغير جذريًا في المستقبل.

التعليق