محمد أبو رمان

بعكس حركة التاريخ!

تم نشره في الثلاثاء 19 كانون الأول / ديسمبر 2017. 01:09 صباحاً

 تحدّثنا أمس عن ضرورة إعادة التفكير في السياسة الداخلية كي تتوازى مع السياسة الخارجية الأردنية التي تأخذ منحىً صلبا في مواجهة المتغيرات المحيطة، أولاً، ومع صعوبة الوضع الداخلي، بخاصة الأزمات المالية والاقتصادية.
 ضمن هذه "المدخلات" لا يمكن أن ينهض مفهوم "الحكومة التكنوقراطية" بالاستحقاقات السياسية التاريخية، فمن الضروري أن يكون هنالك وزن سياسي ثقيل للحكومة، وأن تكون ممثلة للقوى والتيارات السياسية، حتى وإن لم تساعدنا تركيبة المجلس الحالي على تشكيل الحكومة المنشودة، فهنالك في الأطياف السياسية الأردنية إمكانية كبيرة لإدماج وزراء من خلفيات سياسية وثقافية عميقة.
 ثمة فجوة كبيرة بين التركيبة الحكومية الحالية والتحديات المطروحة. ولعلّ أحد أهم مصادر الضعف الشديد في بنية الحكومة اليوم هو غياب كامل لجيل الشباب، وغلبة الأعمار الكبيرة على المسؤولين والوزراء، وربما هذه سمات الحكومات الأردنية مؤخراً، وكأنّنا نعيش في كوكب آخر، للاتجاهات (Trends) السياسية العالمية، أولاً، ولتركيبة المجتمع ذات الطابع الشبابي ثانياً، ولطبيعة التحديات التي تمس الشباب بدرجة كبيرة ثالثاً.
 في الوقت الذي يتجه العالم إلى تحميل الشباب مسؤوليات قيادة الدول نقصيهم أردنياً، ونستخف بهم، قبل أيام انتُخب الشاب النمساوي اليميني المحافظ سباستسان كورز (1986) زعيماً لحزب الأغلبية (حزب الشعب النمساوي)، ويعمل على تشكيل حكومته، وكان هذا الشاب، الذي لم ينه مرحلة البكالوريوس قد شغل منصب وزير الخارجية في العام 2013، أي وعمره 27 عاماً حينها، واليوم هو بالكاد يصل الـ30 عاماً.
ليس بعيداً عن ذلك الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون (مواليد 1977)، أي بالكاد وصل عقد الأربعينيات، ليحكم دولة عريقة بحجم فرنسا، وقبله رئيس وزراء كندا جاستين ترودو (منذ العام 2014)، الذي وصل البرلمان وأصبح أحد أشهر رؤساء الوزراء والسياسيين في العالم، وهو من مواليد (1971).
 هنالك أسماء عديدة في القارة الأوروبية وحدها لرؤساء ورؤساء وزراء شباب تسلموا خلال الأعوام الماضية مسؤوليات جساما، مثل رئيس وزراء الجبل الأسود السابق أوغور لوكسيك، وعاطفة يحيى آغا رئيسة كوسوفو في الفترة من 2011 إلى 2016، وهي أول امرأة تقود الحكومة في البلاد على الإطلاق. وكانت أيضاً أصغر شخص يُنتخب لمنصب حكومي في كوسوفو وعمرها آنذاك 36 سنة.
وعلى صعيد الوزراء لدينا أيضاً أسماء عديدة ممن تحملوا المسؤوليات في سنّ مبكرة، في أوروبا، ومن أصول متنوعة، ففي السويد أصبحت اللاجئة البوسنية ابنة الـ27 عاماً عايدة الحاج علي، وزيرة التعليم ما قبل الجامعي، وفي فرنسا أصبحت نجاة بلقاسم (مواليد 1977) وزيرة لحقوق المرأة والناطقة الرسمية باسم حكومة جان مارك ايرولت في 2012.
المفارقة المخجلة أنّ التاريخ الأردني يحفل بشباب تولوا المسؤوليات الجسام، في لحظات تاريخية حساسة ومهمة، لكنّنا أخذنا مساراً معاكساً لحركة التاريخ بعد ذلك! فمثلاً هزّاع المجالي أصبح رئيس وزراء الأردن (1955)، وعمره أقل من 37 عاماً، ورئيس بلدية عمان وهو في بداية الثلاثينيات، ووصفي التل (أشهر رئيس وزراء أردني) أصبح رئيساً للوزراء 1962 وعمره 43 عاماً، في إحدى أخطر المحطات التاريخية، وأصبح طاهر المصري عضواً في البرلمان ووزيراً وهو في بداية الثلاثينيات، وكان مضر بدران مديراً للمخابرات العام (1968) وعمره 34 عاماً، وزيد الرفاعي شكل الحكومة وعمره 37 عاماً، ورجائي المعشّر وزيراً وعمره 30 عاماً..الخ.
 بالمناسبة أغلب الأسماء السابقة جاؤوا عن طريق العمل العام، سواء الماكينة الحزبية أو السياسية، وبالمناسبة أيضاً إطلاق سراح العمل العام الجماهيري هو محصلة لإرادة سياسية بالدرجة الأولى.

التعليق