رنا الصبّاغ

صراع البقاء وسط نظام عربي "كرتوني"

تم نشره في الأربعاء 20 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:02 صباحاً


مرّة أخرى يتأرجح الأردن على حافة إقليم مهلهل انزلقت فيه منظومة الجامعة العربية إلى دول "كرتونية" تتآمر على بعضها بعضا وتدق أسافين لنسف قضايا أمتها بالتواطؤ مع دونالد ترامب. اليوم، يقف الأردن في شبه عزلة في الإقليم وسط جفاء مع إسرائيل، خطاب أميركي مخادع، نفوذ روسي متصاعد ونضوب مبرمج في المساعدات العربية.
لعل هذه الحقبة من أسوأ الفترات التي عصفت بالمملكة وسائر المنطقة منذ عقود. كل شيء تبدّل وقواعد الاشتباك تغيرت. الأردن يقف وحده على خط النار، في مشهد استعادي لحقبة قاتمة أعقبت حرب الخليج الثانية 1990-1991، حين اجتاح العراق الكويت. وقتها عوقب الأردن –إقليميا ودوليا - بسبب رفض الملك الراحل الحسين بن طلال تدويل "أزمة" العرب والانضمام إلى التحالف العسكري الأميركي-العربي، الذي دمّر مقدرات العراق عندما أخرج جيشه من الكويت. آنذاك، انكشف ظهر الأردن خليجيا ورفع عنه الغطاء الأميركي والغربي حتى العام 1994، حين أبرم معاهدة سلام مع إسرائيل، أسهمت في إعادة تأهيل المملكة كلاعب اقليمي محوري مدعوما بتحالف استراتيجي سياسي-عسكري-أمني مع أميركا ثم إسرائيل. وعادت المساعدات المالية من دول الخليج والغرب بضغط أميركي لدعم مملكة الاعتدال التي جازفت لتصبح ثاني دولة عربية - بعد مصر- تدفن حال اللاحرب واللاسلم القائمة منذ 1948.
قبل ذلك، صبّت عوامل عديدة باتجاه صمود الأردن في وجه الحصار الغربي-العربي؛ في مقدمتها اللّحمة بين القيادة والشعب معزّزة بأجواء استئناف مسار الديمقراطية، تمتع الحكومات بالولاية العامّة الى درجة كبيرة فضلا عن حضور برلماني قوي، أحزاب سياسية فاعلة وإعلام نقدي ناشئ. كما وفّر العراق عمقا استراتيجيا للأردن على صهوة معادلة النفط-مقابل-الغذاء. وفتح هذا البلد المحاصر أسواقه أمام الصناعات الأردنية مقابل منحة نفطية، ما أسهم في تحريك عجلة الاقتصاد والتخفيف من انعكاسات خطط الإصلاح الاقتصادي. الجبهة الداخلية كانت متينة نوعا ما فيما تعدّدت أدوات العمل السياسي الرسمي والشعبي.
صادرات الأردن – خصوصا الخضراوات والفاكهة- كانت لها أسواق في لبنان ودول أوروبية عبر سورية رغم تذبذب العلاقات بين عمان ودمشق. واستفاد الأردن من المعادلة الأممية لتخفيف الحصار على العراق.
بين الأمس واليوم تغيّر الكثير داخليا، إقليميا ودوليا.
اليوم تعاني المملكة من شلل اقتصادي خانق مع تضاعف أعداد السكان واللاجئين والعمالة الوافدة إلى 10 ملايين نسمة في أقل من عقد. ويترقب الأردنيون السنة الجديدة بخوف وقلق بسبب تداعيات وجبة رفع الدعم عن الخبز وتوسيع ضريبة المبيعات لتشمل أساسيات جديدة في سلة غذاء المواطن فضلا عن فرض رسم مقطوع على مبيعات كل ليتر ديزل وبنزين مع تعديل تعرفة الكهرباء بعد أن تخطّى سعر برميل الدولار حاجز 55$. يتساءل الأردنيون عن أسباب تدحرج أرقام الدين الداخلي والخارجي وفشل خطط الإصلاح المالي والاقتصادي منذ دخل الأردن نادي البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. بعد أن شدّوا الحزام على البطون لعقود، يواجهون اليوم فاتورة باهظة دون أن يعرفوا لماذا، كيف ولمصلحة من؟
مع أن معبر الكرامة-الطريبيل أعيد فتحه، فإن السوق العراقية لم تعد وجهة لمصانعنا. والمسؤول الذي يعتقد بأن النفاذ إلى هذه السوق سيساعدنا واهم. فالبضائع السعودية، التركية والإيرانية تغزو العراق بعد أن تبدّلت أهواء النظام السياسية هناك خلال العقد الماضي وبات أكثر قربا وانفتاحا على إيران؛ اللاعب الإقليمي الذي يمسك مفاتيح حل أو تعقيد قضايا المنطقة ويتحدّى ترامب وحلفاءه الجدد في المنطقة.
المساعدات الخليجية توقفت منذ عام. وغدت أميركا الدولة المانحة الرئيسة للأردن، تليها دول أوروبا الغارقة اليوم في أزماتها الاقتصادية ومأزق الهوية.
تغيّرت الخرائط حولنا. نواجه اليوم أسوأ الفترات نتيجة لتغيرات وتحولات لا ناقة لنا فيها ولا جمل. سورية تحتاج سنوات قبل الخروج من عنق زجاجة الحرب الأهلية الدائرة منذ 2011 وفتح صفحة إعادة البناء. علاقاتنا مع إسرائيل ساءت كثيرا بفعل سياسات بنيامين نتنياهو واليمين المتعصب الأهوج ودخول قوى منافسة عربية جديدة على الخط. العلاقات معها تقتصر اليوم على ملف التعاون الأمني منذ أن غادرت السفيرة وطاقمها الدبلوماسي المملكة عقب جريمة قتل مواطنين أردنيين هذا الصيف. ما تزال إسرائيل ترفض محاكمة المتهم؛ أحد ثلاثة شروط وضعها الأردن قبل الموافقة على عودة طاقم السفارة. أولويات مصر وأهواؤها تغيرت مذ ضربتها رياح التغيير العام 2011 والانكفاء عنها العام 2013.  قاطرة العرب الأكثف سكانا لم تعد كما كانت. باتت تلعب اليوم دورا تابعا، بحسب دبلوماسيين ومحللين عرب وأجانب. تخلّت عن دفّة قيادة الأمّة تحت وطأة الحاجة لإنقاذ اقتصادها المتهالك ولاعتبارات وطنية حيوية مثل محاربة الأرهاب تحديدا في سيناء وعلى الحدود مع غزة، وكذلك مواجهة الإخوان ومن لف لفيفهم. منظور مصر حيال الشأن الفلسطيني تغيّر كثيرا. فهي تركّز اليوم على ترتيبات "أمنية عملياتية" هدفها وقف تسريب السلاح عبر غزة، وفتح معبر رفح عبر تحسين الأجواء بين السلطة الفلسطينية وحماس للجم الفوضى الأمنية.
على نقيض الأردن، لا تعاني مصر من مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وتبعاتها. وهي ليست على تماس مباشر مع قضايا أردنية خلافية تتوسط ملفات الحل النهائي كالقدس، المياه وترسيم الحدود مثلا. وثمّة قلق من أن توفّر تلك المساحة للقاهرة هوامش مناورة أوسع، بخاصة عندما يأتي اليوم الذي سيفجّر فيه دونالد ترامب "صفقة العصر" بعد صاعق اعترافة بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل وسط انبطاح عربي مخجل. أما السلطة الفلسطينية فهي عاجزة سياسيا واقتصاديا.
للأسف فقدت القدس الشرقية المحتلة ومقدسّاتها الإسلامية والمسيحية رمزيتها الدينية لدى غالبية العواصم العربية لكنّها ما تزال متجذّرة في مشاعر الأردنيين والفلسطينيين وفي إرث الهاشميين. عقدان من المفاوضات العبثية أحالتا ملف اللاجئين إلى قضية إنسانية بحته. وتبخّر اليوم حلم حل الدولتين الذي راهن عليه الأردن كثيرا.
والخشية من تشجّع دول عربية عديدة أي ترتيبات إدارية للأماكن الدينية في القدس قد يقترحها ترامب لاحقا، أو تحجم عن معارضتها. ذلك أنها – بخلاف الأردن- ليست ذات صلة بالوصاية الدينية على هذه المقدسات، حسبما ورد في معاهدة السلام. تابعنا المواقف المؤسفة في اجتماع وزراء الخارجية العرب والقادة الذين قاطعوا قمّة اسطنبول الإسلامية.
لا مجال أمام الأردن الرسمي اليوم سوى تقليص خساراته الناتجة عن غدر حلفاء الأمس والاكتفاء ذاتيا. نشهد انفتاحا على أنقرة، التي تحاول اليوم قيادة العالم الإسلامي في مواجهة أسرلة القدس. هذا أيضا خيار محفوف بالمخاطر بسبب طموحات أردوغان. مع الوقت، سيجد الأردن صعوبة في طرق باب إيران لأنها خط أحمر بالنسبة لواشنطن، فيما تحتاج عمّان للحفاظ على علاقات جيدة مع ما تبقّى من حلفائها داخل الإدارة الأميركية والمؤسسات الأمنية والتشريعية، بما يكثّف فرص زيادة المساعدات الأميركية العام المقبل.
اليوم تقف القيادة الأردنية في مواجهة زلزلة دونالد ترامب حول القدس قبل الإعلان عن "صفقة القرن". ويتماهى الملك عبدالله الثاني مع نبض شعبه، الذي تحمّل الكثير. لكن ما ينقصنا هو استغلال هذا الظرف لمراجعة الإخفاقات التي اعترت ملف الإصلاحات السياسية والممارسات التي أضعفت ولاية الحكومة، وقزّمت دور مجلس الأمّة وهمّشت منظمات المجتمع المدني والأحزاب، كما كمّمت أفواه منابر الإعلام، حاربت حرية الرأي والتعبير وأجهضت معركة القضاء على الفساد والمفسدين.
هذه المراجعة ضرورية بهدف حماية الجبهة الداخلية، المصدّ الحقيقي في وجه الأخطار الداهمة، بينما يعمل الأردن الرسمي على تطوير مقاربة جديدة لإدارة الصراع العربي – الإسرائيلي وتوفير مظلّة متقدمة مع الأوروبيين وغيرهم. وكذلك التواصل مع ما تبقّى من حكماء في الإدارة الأميركية لتقليل مخاطر "صفعة ترامب الكبرى".

التعليق